فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 1، ص: 596
والنّصب يكون عادة من أثر عمل فيه جدّ واجتهاد.
وفراغ الإنسان يكون عادة إذا انتهى من عمل كان يعمله، ويقال: فرغ من الشيء إذا أتمّه.
فمعنى الآية بعد هذا التحليل: فإذا فرغت من عمل من أعمال الخير، كأعمال الدّعوة إلى اللّه، وأداء مهمّة من المهمّات الّتي كلّفتها في رسالتك، فأنشئ عملا آخر تجاهد فيه قائما بوظائف نبوّتك، ووظائف رسالتك حتّى تنصب متعبا، ولاتن بفتور وكلل، وهذا نظير قول اللّه عزّ وجلّ لموسى وهارون عليهما السّلام كما جاء في سورة (طه/ 20 مصحف/ 45 نزول) :
اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآياتِي وَلا تَنِيا فِي ذِكْرِي (42) .
أي: ولا تفترا ولا تضعفا عاملين كادحين في القيام بأعباء رسالتكما المشتملة على ذكري، فذكر اللّه بالنسبة إلى حامل الرسالة، يكون بالدعوة إلى الإيمان به، والاستمساك بالدّين الذي اصطفاه اللّه لعباده.
فقول اللّه لرسوله محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم: فَإِذا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (7) يتضمّن أمره بمواصلة المجاهدة في أداء وظائف رسالته، فكلّما فرغ من عمل من أعمالها، فإنّ عليه أن يعمل في عمل آخر حتّى ينصب فيه متعبا.
وأرشده اللّه عزّ وجلّ بعد هذا إلى الدّواء الّذي يمدّ بالعون والقوّة والنّشاط، ليتابع مجاهدته في مسيرته الرّبّانيّة وهو دواء الدّعاء والالتجاء إلى ربّه أن يمدّه بالقوّة والعون والنّشاط، ما كان منها مادّيّا، وما كان منها معنويّا، فقال له:
* وَإِلى رَبِّكَ فَارْغَبْ (8) :
أي: وإلى ربّك فابتهل وتضرّع داعيا سائلا حتّى ييسّر أمرك، ويدفع عنك العسر، ويمدّك بما تحتاج إليه من قوّة ومعونة ونشاط، وحتّى يقضي لك بالتوفيق والتّسديد والتأييد والنّصر.