معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 9، ص: 35
ربّك. والمعنى أنّه لا كسب لك فيه إلّا التّلقّي من الوحي الذي يلقّيه إليك بعناية تامّة، حرفا فحرفا، وكلمة فكلمة، وآية فآية.
وجاء الفعل المضعّف للدّلالة على العناية البالغة في الإلقاء والتّلقي.
يقال لغة:"تلقّى العلم عن فلان"أي: أخذه منه. و"تلقّى الشيء"أي: لقيه.
مِنْ لَدُنْ: لدن: ظرف زمانيّ ومكانيّ بمنزلة"عند"إلّا أنّه أقرب من"عند"وأخصّ منه. وكلمة"لدن"ملازمة للإضافة فهي تجرّ ما بعدها بالإضافة.
حَكِيمٍ: أي: عظيم الحكمة في كلّ ما يشاء ويختار. والحكيم في اللّغة هو الذي يضع الأشياء في مواضعها، ويختار أفضل الأشياء وأتقنها وأحسنها في الأمور المختلفة لما يعطي أحسن النتائج.
والحكيم: اسم من أسماء اللّه الحسنى.
عَلِيمٍ: أي: واسع العلم الذي يحيط بكلّ شيء علما، إذ هو هنا صفة من صفات اللّه عزّ وجلّ.
والعليم: اسم من أسماء اللّه الحسنى.
والمراد: أنّ القرآن الّذي تتلقّاه يا محمّد من لدن ربّك الحكيم العليم، كلّ ما فيه حقّ وهدى وخير، وأحكامه هي أفضل الأحكام وأحسنها، وصياغته هي أتقن الصّياغات وأحكمها وأسماها.
وهذه الصفات فيه شاهدات على أنّه تنزيل ربّاني، وليس وضعا من كائن ما غير اللّه عزّ وجل، ومتدبّر القرآن بأناة وعمق يجد هذا جليّا واضحا.
والغرض من خطاب الرّسول محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم بهذا البيان مع علمه به،