معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 1، ص: 601
ولم يأت مثل هذا الاستعمال في سورة (الضحى) لأنّ الموقف فيها موقف إيناس واستعطاف من الرّبّ لرسوله، في مقابل ما أشاع بعض أعدائه وحسّاده من أنّ ربّه ودّعه أو قلاه، ومثل هذا الموقف يلائمه حديث الخليل لخليله دون استعمال ضمير المتكلّم العظيم.
الثالثة:
تقديم المعمول على عامله لإفادة التخصيص والحصر في: وَإِلى رَبِّكَ فَارْغَبْ (8) فعبارة [إلى ربّك] معمول للفعل في [فارغب] إذ الجار والمجرور متعلقان به، وهما مقدّمان عليه لإفادة الحصر والتخصيص، أي:
وإلى ربّك وحده فابتهل وتضرّع داعيا سائلا، ولا تجعل معه شريكا، ولا تدع غيره.
مع ما في هذا التقديم من مراعاة الجمال التناسقي بين آيات السورة، والتلاؤم في الفاصلة بين الآيتين الأخيرتين منها: فَإِذا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (7) وَإِلى رَبِّكَ فَارْغَبْ (8) .
الرابعة:
خروج الاستفهام في السورة عن طلب الإفهام إلى إرادة التقرير والمتنان.
الخامسة:
التعبير غير المباشر، بذكر الكلام الذي يقصد به لوازمه الفكرية، وهو في هذه السّورة من أبدع الكنايات.
نلاحظ هذا في: فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (5) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (6) أي:
فقم بوظائف رسالتك، وستلقى في مسيرتك هذه عسرا، يذلّله اللّه لك، بتيسير مضاعف أقوى منه، فلا تضعف ولا تثبّطك المسالك الوعرة، ولا المداخل الضيقة، ولا العقبات العسرة، ولا المشكلات المتداخلة المعقّدة.