فهرس الكتاب

الصفحة 589 من 8918

معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 1، ص: 608

(الإنسان:) "أل"هنا هي"أل"الجنسيّة الاستغراقيّة، والمراد استغراق جنس الإنسان البالغ مبلغ التكليف في ظروف الحياة الدنيا، أمّا غير المكلّف فهو مستثنى عقلا، وبدلالة نصوص أخرى.

لَفِي خُسْرٍ: أي: لهو محاط بخسر، كالغريق في وحل حيواناته تأكل منه باستمرار. الخسر: النقص ممّا يملك المالك، من ماله، أو جسمه، أو عمره، أو لذّاته وسعادته، أو نحوها، والنّقص أيضا ممّا يستطيع أن يغنمه ففاته بإهماله وتقصيره.

وجاء تأكيد كون الإنسان في محيط به من الخسر، بالقسم بالعصر الّذي يدلّ على أنّه يخسر من عمره طوال لحظاته. وبحرف التوكيد"إنّ"وب"الجملة الاسميّة"وب"لام"الابتداء المزحلقة إلى الخبر.

وقد احتاجت هذه القضيّة كلّ هذه المؤكّدات لغرابتها، وبعدها عن تصوّرات الناس، فحالتهم حالة من هو شاكّ فيها أو منكر لها.

هذه القضيّة الكلّيّة الّتي قرّرها ربّنا عزّ وجلّ مؤكّدا، تجعلنا نمعن التّدبّر، ونبحث في واقع وجود الإنسان وحياته، لنكتشف حقيقتها.

وبالبحث والتدبّر في مبدأ الإنسان ونشأته ومصيره، ورحلته في هذه الحياة الدنيا، ووظيفته فيها، نلاحظ أنّ رأسماله في حياته الدّنيا أمران:

الأمر الأوّل: لحظات عمره الّتي تنتهي بانتهائها حياته في رحلة امتحانه.

الأمر الثاني: ما وهبه اللّه من طاقات مادّيّة ومعنويّة يستطيع أن يعمل بها خيرا أو شرّا، أو يعطّلها ويضيّعها ويتلفها بلا فائدة يجنيها منها.

ونلاحظ أيضا أنّ لحظات عمره ممتزجة بها طاقاته مخبّأة في خزّان المستقبل، كماء سيّال، وهذا الخزّان وما فيه محجوب عن علم الإنسان، إذ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت