معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 1، ص: 609
يفصل ما بينهما جدار الغيب، وما في هذا الخزّان يجري من ثقب لا يمكن إقفاله، ولا يمكن الانتفاع به إلّا لحظة فلحظة، إذ ما يجري من هذا الثّقب المفتوح يبتلعه الماضي فلا يمكن استرجاعه.
ذلك هو الوقت وما يصاحبه من طاقات، يجريان معا، ويمضيان معا.
إنّه العصر الذي هو نهر الزّمن السّيّال من المستقبل إلى الماضي، والذي لا يستطيع الإنسان أن ينتفع منه إلّا بموجة الحاضر القصيرة، وما ينتفع منه بموجة الحاضر هو المقدار الّذي لا يكون خاسرا له من رأس ماله، وهو المقدار الذي يحوّله من الزّمن السّيّال وما امتزج به من طاقات، فيجعله شيئا ثابتا معوّضا عمّا ابتلعه الماضي، فإذا حوّله وثبّته في نفع خالد، كان كمن استطاع أن يجمّد الوقت الحاضر ويجعله شيئا متزايدا متناميّا بلا انقطاع، إذ يدّخره اللّه له ويربّيه له، حتّى تكون الذّرّة منه كجبل عظيم في بعض الحالات المرضيات للرّبّ جلّ جلاله.
ولمّا كان مقدار الانتفاع بموجة الوقت الحاضر في الخيرات والأعمال الصالحات يختلف بين المنتفعين اختلافا عظيما، فمنهم من ينتفع منها بمقدار ذرّة فما فوقها، حتّى ينتفع بعضهم بمقدار جبل من خيرات المستقبل، أمكن لنا أن نفهم أنّ موجة الوقت الحاضر مع تساوي طولها بين المنتفعين، إلّا أنّها ذات عرض وعمق مختلفين اختلافا كبيرا.
فلحظة سلطان عادل محبّ للخير، يوقّع فيها على أمر يعمّ نفعه شعبا بأكمله، ويجري خيره ما بقي نفاذ هذا الأمر، هي من جهة الطّول تساوي اللّحظة التي انتفع فيها إنسان بحكّ رأسه، لكنّ عرضها وعمقها بمثابة بحر عريض عميق.
وفرق كبير بين لحظة يملأ فيها مالئ كأسا، ولحظة يملأ فيها مالئ بركة، ولحظة يملأ فيها مالئ بحرا. إنّ أطوالهنّ الزمنيّة واحدة، ولكن اختلفن عرضا وعمقا.