معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 1، ص: 610
وفرق كبير بين لحظة تقطع فيها دويبّة مقدار عرض شعرة من الأرض، ولحظة يقطع فيها فرس عدّة أذرع، ولحظة تقطع فيها طائرة أميالا، في حين يجتاز فيها الضوء مئات الألوف من الأميال.
ويمكن أن نقول: إنّ العرض في لحظة إنسان يعمل فيها عملا نافعا يأتي من شمول الخير وكثرته، أمّا العمق فيأتي من بقاء جريان الخير في المستقبل.
ولهذا كانت الصّدقة الجارية، والعلم الذي ينتفع به، من الأعمال الّتي يعملها المؤمن في وقت عريض عميق. أمّا طوله فهو يساوي طول أيّ وقت آخر جرى فيه عمل ضئيل النّفع قليل القيمة، أو مرّ ضائعا إسرافا وتبذيرا، لكنّه مختلف في عرضه وعمقه، بمقدار شمول النّفع، وبقاء الجريان.
فمن تصدّق بصدقة جارية، أو نشر علما نافعا، فقد استفاد من عرض وقته وعمقه، إذ يبقى أثر عمله فيه ولو مات، هذا ما تعلّمناه من كلام الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم.
روى مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم:"إذا مات الإنسان انقطع عمله إلّا من ثلاث: صدقة جارية؛ أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له".
من هذا التحليل الفكريّ يتبيّن لنا بوضوح أنّ رأس مال الإنسان في الحياة الدنيا أوقات عمره وطاقاته المادّيّة والمعنويّة المقترنة بها اقترانا يشبه الامتزاج.
ورأس المال هذا هو منحة من اللّه عزّ وجلّ للإنسان في الحياة الدّنيا ليمتحنه، وهو مسؤول عنه يوم القيامة، كما جاء في الصحيح ممّا روي عن الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم.
روى الترمذيّ عن أبي برزة أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال: