فهرس الكتاب

الصفحة 592 من 8918

معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 1، ص: 611

"لا تزول قدما عبد حتّى يسأل عن أربع: عن عمره فيم أفناه؟. وعن علمه ما فعل فيه؟. وعن ماله من أين اكتسبه؟ وفيم أنفقه؟. وعن جسمه فيم أبلاه؟".

ولمّا كانت مقادير انتفاع النّاس بلحظات أعمارهم متفاوتة تفاوتا كبيرا، حتّى يصل إلى مثل التّفاوت بين القطرة والبحر، وكان الإنسان في معظم أحواله ما بين مستهلك أوقات عمره في نفع قليل ضئيل، أو فيما لا نفع فيه مطلقا، أو فيما يحمل به أوزارا، كان في وضع دائم من الخسر، كلّما أمضى لحظة ممّا كتب اللّه له من عمر، ما مرّ عليه حين ما من العصر، وحامل الأوزار في لحظات عمره خاسر ومدين، على حساب أوقات خلوده يوم الدّين.

فمن الحقّ والدّقّة الرائعة في البيان، أن يقسم اللّه عزّ وجلّ بالعصر على أنّ الإنسان لفي خسر.

والمناسبة بين العصر الذي هو الزمن السيّال، والذي تحدّد بأجزاء منه أعمار الناس، وبين كون الإنسان في خسر من رأسماله في حايته الدّنيا، كلّما انصرم من عمره زمن ما، مناسبة ظاهرة.

وفي القسم بالعصر إشارة إلى أن الإنسان هو الإنسان مهما اختلفت عليه الأزمنة، في خصائصه النفسية التي تدفعه إلى أن يعبّر عنها بأنواع من السّلوك تؤدّي به إلى الخسر في أكثر أحواله، منذ عهد آدم وإلى أن تقوم الساعة.

* قول اللّه تعالى:

إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَتَواصَوْا بِالْحَقِّ وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ (3) .

استثنى اللّه عزّ وجلّ بهذه الآية من عموم كون الإنسان المكلّف، الذي يعيش هذه الحياة الدنيا، في محيط به من الخسر، فريقا من النّاس لا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت