معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 1، ص: 612
يكون الخسر محيطا بهم من كلّ جوانب وجودهم، وهم الّذين اتّصفوا بصفات أربع:
الصّفة الأولى: الإيمان الصّحيح الصّادق بعناصر القاعدة الإيمانيّة في الإسلام، دلّ عليها قوله تعالى: إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا.
الصفة الثانية: القيام بأعمال صالحات، معبّرات في السّلوك النّفسيّ والجسديّ، عن وجود الإيمان الصحيح الصادق في القلب. إذ الإيمان الصحيح الصادق ذو دوافع تظهر في أنواع من السّلوك، هي من لوازمه وآثار من آثاره.
وهذه الأعمال التّعبيريّة عن كوامن الإيمان تكون في دائرة الحركة الذاتيّة للإنسان، من ذاته لذاته، دون ملاحظة غيره، وهذه هي الحركة التّلقائيّة الأولى في سلوكه، وقد دلّ عليها قوله تعالى في الآية: وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أي: وعملوا من الصّالحات ما يدلّ على صحّة إيمانهم في قلوبهم وصدقه، ف"أل"في الصالحات ليست استغراقيّة، بدلالة نصوص أخرى كثيرة، تدلّ على أنّ الذي يعمل بعض الصالحات مع صدق إيمانه وصحّته لا يكون الخسر محيطا به من كلّ جوانبه.
الصّفة الثالثة: قيام الإنسان بواجب عليه تجاه غيره من النّاس الخارجين عن دائرة الحقّ، والخائضين في أرجاس الباطل، أو الضالّين الجاهلين الّذين لم يرووا الحقّ حتّى يؤمنوا به، ويستمسكوا بحبله، ويسلكوا صراطه المستقيم.
والواجب بالنسبة إليهم يتحقّق بتعريفهم بالحقّ ونصحهم بالإيمان به، ومتابعة توصيتهم بالاستمساك بحبله، وسلوك صراطه المستقيم.
وحين يقوم النّاس بهذا الواجب، تظهر في المجتمع الإنسانيّ ظاهرة التواصي بالحقّ.