معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 9، ص: 100
مِنْ قَوارِيرَ قوارير: جمع قارورة، وهي وعاء من زجاج تحفظ فيه السّوائل.
وربّما كان بلاط أرض الصّرح قوارير على شكل قطع اللّبن، وسطحها الظّاهر متموّج، وتملأ كلّ قارورة منها من فتحة فيها بماء، وتسدّ الفتحة سدّا محكما، وصفّت هذه القوارير صفّا محكما على الأرض بلاصق شفّاف بينها، فصارت ترى على شكل ماء ماليء للسّاحة الداخليّة من القصر.
وكان الدّهش قد بلغ من"بلقيس"مبلغه الأقصى، وسيطرت على مشاعرها شخصيّة سليمان العظيمة، وتفجّر من أعماقها الرّشد وكمال العقل، وحرّكتها دوافع الإيمان باللّه ربّ العالمين، ساعتئذ.
قالَتْ معلنة توبتها من كفرها الّذي كانت فيه وهي متوجّهة للّه بالدّعاء، ومعلنة إسلامها له: رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ:
رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي: أي: كنت ظالمة لنفسي فيما سبق من عمري، بالشّرك الذي كنت فيه، اتّباعا لقومي وتقليدا أعمى لآبائي وأجدادي.
وَأَسْلَمْتُ: أي: وأسلمت منذ الآن إسلاما مبنيّا على إيمان صادق.
مَعَ سُلَيْمانَ: أي: مصاحبة له في إسلامه التطبيقيّ العمليّ، على وفق دين اللّه لعباده.
لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ أي: أسلمت للّه ربّ العالمين جميعا. والمراد بالعالمين هنا كلّ ما سوى اللّه عزّ وجلّ.
وبهذا تم تدبّر الدرس الثالث من دروس السورة والحمد للّه على توفيقه وفتحه ومدده.