فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 9، ص: 131
عندئذ يتسنّى للمناظر المؤمن الدّاعي إلى اللّه أن يقول بأسلوب المستفهم استفهاما تعجّبيا إنكاريا: أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ؟!!
وفي نهاية هذا التعليم أبان اللّه عزّ وجلّ للدّاعي المؤمن أنّ المشركين يعدلون عن الحقّ إلى الباطل، ويجعلون للّه ممّا خلق معادلا مكافئا، في الرّبوبيّة أو في العبادة، فقال تعالى: بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ.
يقال لغة:"عدل يعدل عن الصراط"أي: حاد عنه وخرج عن حدوده. ويقال لغة:"عدل الشيء بالشّيء"أي: سوّاه به، وجعله مثله، وهذا قد يكون ادّعاء كاذبا، أو اعتقادا باطلا.
فالمعنى: ليس المشركون على شيء من الحقّ، بل هم يعدلون عن الحقّ إلى الباطل، ويفترون على اللّه فيتّخذون له شريكا معادلا له في صفات ربوبيّته أو بعضها، فمعادلا له في إلهيّته.
المرحلة الثانية من مراحل المناظرة
قال اللّه عزّ وجلّ:
أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرارًا وَجَعَلَ خِلالَها أَنْهارًا وَجَعَلَ لَها رَواسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حاجِزًا أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ (61) ،
أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرارًا طرح السّؤال في هذا التّعليم نظير طرح السّؤال في التّعليم السّابق. أي:"أم"المنقطعة وهي بمعنى"بل"للإضراب. و"من"اسم استفهام وهو مبتدأ، وما بعده خبر وهو جملة:
جعل الأرض قرارا.
أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرارًا: أي: بل من هذا العظيم المتقن الحكيم القدير، الّذي جعل الأرض بعد أن فصلها ممّا كانت عليه رتقا مع غيرها من أجرام السّماء، كوكبا قرارا مطمئنا لا اضطراب فيه ولا