معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 9، ص: 166
جزاء على السيّئات، أو جزاء على الحسنات، والسّنوات المعدودات زمن قليل وأجلها قريب، بالنّسبة إلى إنزال عقاب اللّه عزّ وجلّ بأمّة من الأمم، أو بالنّسبة إلى نصر اللّه عزّ وجلّ فئة على فئة، فبعد سنوات معدودات نزل بمشركي مكّة ما يكرهون.
أمّا نحو:"قد قامت الصّلاة"فقرب قيامها فعلا يلائم حالها، ويعدّ الزّمن بالثواني.
وجاءت عبارة: بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ: ملائمة لما في نفوسهم من إنكار الجزاء الرّبّانيّ كلّه، إذ أغراهم إمهال اللّه لهم على وفق سنّته بعباده، فتوهّموا أنّ الوعيد بالعقاب الرّبّانيّ لهم إذا أصرّوا على كفرهم وتكذيبهم وعيد كاذب، فتمادوا فيما هم فيه من كفر ومعاندة للحقّ، ومعاداة للرّسول ولدعوته، واضطّهاد لضعفاء المؤمنين.
وكذلك فعل كفّار الأمم من قبلهم، وكذلك يفعل سائر الكفّار من بعدهم إلى أن تقوم السّاعة.
قول اللّه عزّ وجلّ:
وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَشْكُرُونَ (73) .
دلّت هذه الآية على أنّ إمهال اللّه للكافرين المجرمين من عباده، داخل في عموم فضله على النّاس جميعا، فهو لا يتبع جرائمهم بعقوباته، تفضّلا منه جلّ جلاله عليهم، ليترك لهم زمنا طويلا يراجعون فيه نفوسهم، رغبة في أن يتوب منهم من هو مستعد من أعماقه للتّوبة والنّدم والرّجوع إلى الحق، حتّى إذا وصلوا إلى دركة ميؤوس معها من إيمانهم وإسلامهم عن طريق إراداتهم الحرّة، أخذهم اللّه أخذ عزيز مقتدر.
ولكن مع هذا التّفضّل من اللّه على الناس، ومنه التّفضّل الإمهاليّ للعصاة والمجرمين، فإنّ أكثر النّاس لا يقابلون تفضّل اللّه عليهم بالشّكر،