معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 9، ص: 175
ويطلق لفظ"الهدى"على إخراج شيء من شيء آخر، ومن عموم هذا الإخراج نفهم الإخراج من الظّلمات إلى النور، ومن الكفر إلى الإيمان، ومن الباطل إلى الحقّ، ومن الشّرّ إلى الخير، ونحو ذلك.
وَرَحْمَةٌ: أي: والقرآن رحمة من اللّه عزّ وجلّ للنّاس، إذ أبان لهم صراط سعادتهم في الدنيا، وصراط نجاتهم من عذاب يوم الدّين، وظفرهم بالنّعيم الخالد في جنّات النّعيم، فهو أثر من آثار رحمة اللّه بعباده.
رحمة اللّه عزّ وجلّ: صفة من صفاته على ما يليق بجلاله، وهي تستلزم الإنعام والإكرام والإحسان، ويكون من آثارها بحسب حكمته- جلّ جلاله- العفو والغفران، ويكون من آثارها بيان الدّين الّذي تتحقّق باتّباعه سعادة الناس.
لِلْمُؤْمِنِينَ: هذا قيد لكون القرآن هدى ورحمة. أي: إنّ الّذين ينتفعون من كون القرآن هدى ورحمة، هم المؤمنون بكلّ ما جاء فيه، بعد استيفائهم الإيمان بكلّ أركان الإيمان وعناصرها، فهم يتابعون آيات القرآن بالإيمان الصّحيح الصّادق، الّذي من شأنه أن يدفعهم إلى العمل بأحكامه وشرائعه، وعندئذ يكون لهم هدى، وعندئذ يسعدون بعطاءات رحمته.
إنّ بيانات القرآن، وتعليماته، ووصاياه، تعرّف بالحقّ والباطل، وتوضّح المسافة الفاصلة بينهما، حتّى لا تختلط حدودهما، فلا يقع من يهتدي به في حمأة الباطل وهو يحسبه حقا. وتعرّف بطريقي الخير الشّرّ، وطريقي الفجور والتقوى، وطريقي الصلاح والفساد، من السّلوك الإنسانيّ الظاهر والباطن. وتوضّح الحدود والفواصل بين هذه الطّرق، فلا يقع من يهتدي بهدي القرآن في أوحال الشرّ والفجور والفساد وأوضارها وخبائثها.