فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 9، ص: 179
وفي هاتين الآيتين يعلّم اللّه عزّ وجلّ رسوله فكلّ داع إلى اللّه من أمّته، توفير طاقات مجاهداته في دعوته وتوجيهها لمن نقتضي أحوالهم أنّ استجابتهم مطموع فيها، باعتبار أنّهم ما زالوا في أوائل توجيه الدّعوة لهم، أو دلّت التّجربة على أنّ لديهم استعدادا ما للتّفكّر فيما يدعون إليه، واستعدادا ما لتفهّم حقائقه، والاستماع إلى نصائح الدّاعي، ومواعظه، وحججه وبراهينه.
بخلاف الّذين دلّت التجارب المتكرّرات على أنّهم موتى القلوب أو صمّها أو عميها، فإنفاق طاقات المجاهدات فيهم بغية هدايتهم من التّبذير الّذي لا يليق بأهل العقل والرّشد المجاهدين في سبيل اللّه، لأنّهم يدركون أنّ بذل طاقاتهم في الميؤوس من استجابتهم، كمن يحرث في البحر، ويبذر في السّباخ.
إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى: أي اعلم أنّ الّذين وصلوا إلى دركة الموتى ممّن تجاهدهم بأقوالك وبياناتك طمعا في هدايتهم، فإنّك تنفق وقتك وطاقاتك إنفاقا تبذيريّا ضائعا، فمن الخير لك أن توجّه مجاهدتك لغيرهم من الّذين لم يبلغوا أن يكونوا ميؤوسا منهم.
وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إِذا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ: أي: ومثل حال موتى القلوب، حال صمّ القلوب إذا نفروا من دعوتك وتولّوا عن قبول مواجهتك، وابتعدوا مدبرين.
الدُّعاءَ: أي: النداء بأعلى الصّوت.
إِذا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ: أي: إذا أدبروا نائين مبتعدين، يقال لغة:"ولّى فلان"أي: أدبر. ويقال:"ولّى الشيء وولّى عن الشّيء"أي: جعل دبره له ونأى.
وعبارة مُدْبِرِينَ: حال مؤكّدة للعامل.