فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 9، ص: 207
ومن لم يستجب بإرادته الحرّة متأثّرا بداع ما من الدّواعي، بعد إدراكه للحقّ أو رافضا إدراكه والإصغاء لبياناته، ورافضا التفكّر في آيات اللّه الكونيّة والمنزّلة على رسوله، ضلّ في متاهات الأهواء والشهوات وزينات الحياة الدنيا، ودروب الباطل والشرّ والإثم، وارتكاب الجرائم، فإنّه لا يضرّ إلّا نفسه، إذ يعرّض نفسه بضلاله لعذاب أليم، مع الخلود في جهنّم دار المجرمين يوم الدّين، إذا كان ضلاله من دركة الكفر.
دلّت عبارة فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ على أنّ وَمَنْ ضَلَ فإنّما يضلّ جانيا على نفسه، وجالبا الضّرر والعذاب لها، دون أن يشاركه أحد في عذابه، إلّا من ضلّ مثل ضلاله باختياره الحرّ.
فَقُلْ إِنَّما أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ أي: فقل يا محمّد له: بما أنّك لم تستجب لدعوة رسول ربّك، فانطلقت هائما في أودية الضّلال والغيّ، فاعلم أنّك منذر بعذاب أليم خالد يوم الدّين، وانحصرت وظيفتي بالنّسبة إليك بأن أكون منذرا فأنا في هذه الحالة من المنذرين، ولو استجبت لدعوة ربّك لكنت لك من المبشّرين.
وينسحب على الداعي إلى اللّه من أمّة محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم هذا التوجيه التّعليمي، لأنّه مبلّغ عن رسول اللّه ما أمر رسول اللّه بتبليغه، وقائم بالوظيفة الدّعويّة الّتي أمر اللّه عزّ وجلّ رسوله بالقيام بها، وهو مطالب بالتزام التعليمات الّتي وجّهها اللّه عزّ وجلّ لرسوله.
مع ما في هذا النّصّ التّعليميّ للرّسول من خطاب غير مباشر من اللّه عزّ وجلّ للمعنيّين بالمعالجة في السورة، ولنظرائهم وأشباههم في عصر التّنزيل وفي العصور اللّاحقات، كشأن سائر النّصوص المشابهة.
وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آياتِهِ فَتَعْرِفُونَها وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (93) .
وفي القراءة الأخرى: [عمّا يعملون] بياء الغائبين.