معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 9، ص: 210
وكشف هذه الآيات يراد به بيان مطابقة واقعها لما جاء في القرآن عنها، حتّى يتبيّن للناس أنّ القرآن حقّ منزّل من لدن ربّ العالمين، دلّ على هذا المراد عبارة: أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ: أي:
والّذي هو فوق كلّ شيء، كبيرا كان أم صغيرا، وشهيد شهودا تامّا له، لا يمكن أن يخبر عنه إلّا خبرا مطابقا لواقع حاله، وهذا يدلّ على أنّ القرآن تنزيل من لدنه، وأنّه حقّ لا ريب فيه.
الآفاق: هي الأبعاد العليا المحيطة بالأرض.
الشّهيد: هو الحاضر الّذي يرى كلّ شيء حضره.
العنصر الثّالث: بيان أنّ اللّه ربّ العباد ليس بغافل عمّا يعملون في رحلة امتحانهم.
أي: هم مجزيّون على أعمالهم الإراديّة، ومن لازم قانون الجزاء علم اللّه الشّامل بما يعملون، ومن مقتضى العلم الشّامل أن لا يغفل عن شيء ممّا يعملون، سواء أكان من أعمال الجوارح الظاهرة، أم من أعمال القلوب والنّفوس.
فجاء التعبير التعليمي وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ وفي القراءة الأخرى: [عمّا يعملون] كناية عن أنّهم مجزيّون بعد الحساب وفصل القضاء على أعمالهم، وكناية عن شمول علمه، بذكر لازم من لوازم شمول علم اللّه، وهو أنّه سبحانه لا يتعرّض لغفلة ما عن مشاهدة عباده الموضوعين في الحياة الدنيا موضع الامتحان، مع شهوده جلّ جلاله لكلّ شيء في الكون كلّه.
وعبارة: وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ التّعليميّة فيها الدلالة على ما يلي:
أي: وقل لمن تعالجه من أفراد الكافرين: وما ربّك خالقك