معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 9، ص: 213
في هذه الآية أشير إلى الّذين لا يؤمنون بالآخرة، الذين جاء الحديث عنهم قبلها، باسم الإشارة الموضوع للمشار إليهم البعيدين، مع قرب الحديث عنهم، للدّلالة بهذا الإجراء على بعد دركاتهم انحطاطا ومهانة وخسّة، فهم ليسوا جديرين بأن يتحدّث عنهم حاضرين قريبين.
ثانيا ومن الفنون البلاغيّة توكيد الخبر بمؤكّد أو أكثر،
لأنّ حال المقصودين بإبلاغهم إيّاه، سواء أَكانوا المخاطبين به أم غيرهم، ممّن يراد إعلامهم بأسلوب غير مباشر، تقتضي توكيد الخبر لهم، إذ هم منكرون أو شاكّون، أو بين بين.
وفي سورة (النّمل) أمثلة كثيرة، ألفت النّظر إلى بعضها:
(1) قول اللّه عزّ وجلّ:
إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ (4) :
في هذه الآية توكيد الخبر بمؤكدين:"إنّ- الجملة الاسميّة".
وهذا التوكيد يصالح لأن يوجّه لبعض المؤمنين، والمعنيّون الأوّلون بأن يؤكّد لهم الخبر هم الّذين لا يؤمنون بالآخرة أنفسهم، وقد أبلغوا الخبر المؤكّد بأسلوب غير مباشر، لم يواجهوا به.
(2) وقول اللّه عزّ وجلّ بشأنهم أيضا:
أُوْلئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ الْعَذابِ وَهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ (5) :
في هذه الآية توكيد الخبر بضمير الفصل في: هُمُ الْأَخْسَرُونَ.
والتوكيد هنا نظير سابقه.
(3) وقول اللّه عزّ وجلّ خطابا لرسوله محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم: