معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 1، ص: 66
عذاب ربّهم بالإيمان به والإسلام له والسّمع والطاعة، ولا يكون كذلك إلّا إذا كان على هدى في نفسه (و هذا صنف آخر من الناس) .
فما أبدع التعريف بهذين القسمين عن طريق هذا الأسلوب البالغ الإيجاز.
وأخيرا جاء بيان القسم الرابع، الضّالّ بنفسه، المكذّب برسالة ربّه، دون أن يكون طاغيا باغيا داعيا إلى الكفر وهجر سبيل الهداية، بقول اللّه عزّ وجلّ:
أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (13) .
أي: أَرأيت أيّها الرّائي المتفكّر صنفا آخر من النّاس، وهو صنف اقتصر على أن كذّب بالرّسالة الرّبّانيّة وتولّى عنها، دون أن يكون مغويا طاغيا ناهيا عن الإيمان باللّه والإسلام له، إنّه أيضا ينبغي أن يتعجّب من أمره أولوا الألباب، لأنه يعرض نفسه لعقاب اللّه والشقاء الأبدي.
تولّى: يأتي بمعنى"نأى"أي: ابتعد، ويأتي بمعنى"أدبر". ومن تولّى عن الاستجابة للدعوة إلى دين اللّه الحقّ فلا بدّ أن يدبر لزوما.
وبعد استيفاء عرض الأقسام اقتضت الحكمة التربويّة التلويح بتحذير المكذّب المتولّي من عقاب اللّه وعذابه، بأسلوب استثارة معرفته بأنّ اللّه يراه، ومن يعلم بأنّ اللّه ربّه يراه، وكان ذا بصيرة فلا بدّ أن يخاف عقابه، على تكذيبه برسالاته، وتولّيه عن رسول ربّه، فذو البصيرة يعلم أنّ اللّه ربّه قدير وحكيم، والحكيم لا بدّ أن يعاقب الجاحد الكافر المكذّب، ولا بدّ أن يثيب المؤمن المصدّق السميع المطيع لأوامره ونواهيه، فقال اللّه عزّ وجلّ في هذا التلويح:
أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرى (14) ؟!