معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 9، ص: 349
جماهيرهم، وساروا بهم على صراط اللّه المستقيم، كانوا بمجموعهم أئمّة لغيرهم من الأمم.
وقد سبق في علم اللّه عزّ وجلّ، أنّه سيولد في أنسالهم من يكونون مؤهّلين للاصطفاء بالنبّوة، وللاصطفاء بالرّسالة، وتحقّق هذا في الواقع، فظهر فيهم موسى وهارون عليهما السّلام، وداود وسليمان عليهما السّلام، وسائر أنبياء بني إسرائيل، ثمّ خرجوا عن دين اللّه الحق، ففسقوا وفسدوا وأفسدوا في الأرض كثيرا، وصاروا يقتلون الأنبياء بغير حقّ، وتحالفوا مع إبليس على إغواء الناس أجمعين.
وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ: أي: ونجعلهم الوارثين لجنات وعيون، وكنوز ومقام كريم، وملك وسلطان في الأرض، بهبة منّا لهم، في مجاري قضائنا قدرنا ضمن أنظمة الأسباب والمسببات التي هي من سنننا في كوننا.
وقد تحقّق هذا بامتلاك بني إسرائيل فلسطين، في أزمان صلاحهم واستقامتهم، فلمّا فسدوا وطغوا وبغوا سلبهم اللّه عزّ وجلّ ما كان قد منحهم، ومزّقهم وشتّتهم وضرب عليهم الذّلّة والمسكنة.
وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ: التّمكين: الإقدار على التصرّف الموصل إلى تحقيق المطلوب، مع التثبّت في المكان، والقدرة على التحرّك فيه بحرّيّة.
وقد حصل لبني إسرائيل هذا التمكين، أيّام امتلاكهم لفلسطين، وتسلّطهم على مقدّراتها، وكان هذا في عهود طالوت وداود وسليمان عليهما السّلام، وزمن غير طويل بعد ذلك.
وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما مِنْهُمْ ما كانُوا يَحْذَرُونَ (6) :