معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 9، ص: 348
العزيز القاهر، الّذي لا رادّ لقضائه، وهو الغالب على أمره.
وجاء في العبارة استعمال الفعل المضارع:"نريد"على طريقة الاستقطاع من الماضي، وتقديمه في البيان تقديما يشبه ما يجري الآن مع تلاوة البيان من أحداث. والمراد بالإرادة هنا إرادة التنفيذ مع أزمان الأحداث، لا إرادة التّقدير والإمضاء بالقضاء الّتي تكون سابقة للأحداث، ومسجّلة في اللّوح المحفوظ.
المنّ: الإنعام والإحسان، يقال لغة:"منّ عليه يمنّ منّا"أي: أنعم عليه نعمة طيّبة، وأحسن إليه بعطيّة.
عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ المراد بهم بنو إسرائيل في مصر قبل ميلاد موسى عليه السّلام، وبعده حتّى خروجهم من مصر وعبورهم البحر، وهلاك فرعون وملئه وجنوده غرقا عقب نجاة العابرين بمنّة اللّه عليهم. أي: ونريد أن نمنّ عليهم فنخرجهم ممّا هم فيه من ضعف وذلّ واستعباد.
اسْتُضْعِفُوا: أي: اتّخذت الوسائل الإكراهيّة لإضعافهم وإذلالهم واستعبادهم، ومنها تذبيح مواليدهم من الذكور، في بعض السّنوات، كسنة تذبيح وسنة إعفاء.
فِي الْأَرْضِ: أي: في أرض مصر."ال"في عبارة"الأرض"للعهد الذّهني، المفهوم من سباق النصّ وسياقه.
وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً: أئمّة: جمع"إمام"وهو ما يؤتمّ به، ومن يؤتمّ به، أي: يتّبع ويقتدى به، والمراد بالإمامة هنا الإمامة الصّالحة، الّتي يقتدى بها في الإحسان والبرّ والتقوى.
ومن الظاهر أنّ جعلهم أئمة لا يقتضي جعل كلّ أفرادهم كذلك، بل إذا جعل اللّه عزّ وجلّ قادتهم أئمّة صالحين، وأحسن هؤلاء القادة سياسة