معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 9، ص: 356
أي: إنّ الشّأن الخطير أنّ أمّ موسى كادت لتبدي أمر ما فعلت بصبيّها، إذ وضعته في تابوت، وألقته في النيل، وعندئذ يفتضح أمرها، ويشيع خبرها.
يقال لغة:"أبدى الشيء وأبدى به"أي: أظهره.
وقد تكون تعدية الفعل على التضمين، والتقدير: إن كادت لتبدي أمرها متحدّثة بشأن صبيّها وما فعلت به إذ ألقته في النيل داخل صندوق فهو يجري مع الماء.
لكنّ اللّه عزّ وجلّ ربط على قلبها برباط معنويّ من التجلّد والصّبر، والثقة باللّه والتوكّل عليه، فهو الّذي أوحى إليها وحيا على ما سبق بيانه، بأن تضعه في تابوت وتلقيه في اليمّ.
وبهذا الرّبط الرّبّانيّ ارتقت منزلتها من فئة المؤمنات إلى فئة المؤمنين من الرّجال، دلّت على هذا عبارة: لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ إذ المؤمنون الصابرون الثابتون المتوكّلون على اللّه من الرّجال، يضبطون بإراداتهم الحازمات تصرّفاتهم على مقتضى الحكمة، بخلاف النساء فإنّ طبائعهنّ تغلبهنّ فتدفعهنّ الخفّة إلى تصرّفات لا تحمد عقباها، إلّا من يعتني اللّه عزّ وجلّ بها منهنّ، فيربط على قلبها، فيجعلها في خصائصها النفسيّة مثل فضلاء الرّجال المؤمنين.
وهذا نظير وصف اللّه عزّ وجلّ مريم أمّ عيسى عليه السّلام، بأنّها كانت من القانتين، ولم يقل من القانتات.
الرّبط على القلوب في دلالات النّصوص القرآنيّة يفيد معنى التثبيت والتقوية، لمنعها من الاندفاع بخفّة وطيش.
وعوامل هذا الرّبط التّثبيتي هي عوامل إيمانيّة، من الثّقة باللّه وبحكمته، والتوكّل عليه، وتسليم الأمر إليه، والرّضا بقضائه وقدره، إلى