معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 9، ص: 359
وطوى النصّ ما جرى من تفاوض بين طالبي المرضع للصّبيّ، وبين أخته الّتي لم تكشف أنّ لها علاقة ما به، فجاء ما بعد هذه الآية معطوفا على هذا المطويّ، لإمكان العلم به بالاستنتاج الفكريّ.
فَرَدَدْناهُ إِلى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها وَلا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (13) :
أي: فأرجعنا الصّبيّ موسى إلى أمّه، لتقوم بإرضاعه وكفالته في نظر ملتقطيه، وأمّا بحكمة اللّه فكان لهذا الرّدّ منن ثلاث على أمّه:
المنّة الأولى: أن تقرّ عينها، دلّ عليها قول اللّه عزّ وجلّ في الآية:
كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها: أي: لكي تسرّ وتسعد وترضا بعودة طفلها الرّضيع إليها.
المنّة الثانية: أن لا تحزن بسبب فراقه لها، دلّ عليها قول اللّه عزّ وجلّ: وَلا تَحْزَنَ.
المنّة الثالثة: أن تعلم أنّ وعد اللّه حقّ، وهو ما جاء بيانه في الآية (7) : إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (7) فقد ردّه اللّه إليها، وسيجعله اللّه عزّ وجلّ نبيّا من الأنبياء، ورسولا من المرسلين، وقد دلّ على هذه المنة قول اللّه عزّ وجلّ: وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌ.
وقد جاء التعليق على هذه الحقيقة بقول اللّه عزّ وجلّ: ... وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ*: أي: ولكنّ أكثر النّاس جاهلون لا يعلمون هذه الحقيقة، ولا سيما وعد اللّه بالبعث والحياة الأخرى، وما فيها من جزاء بالثواب في الجنّة دار المؤمنين المسلمين، أو جزاء بالعقاب في النار دار العصاة والمجرمين، ولا يعلمون منن اللّه الكثيرة عليهم.
وقد سبقت النظرات التكامليّة بين هذا النّصّ وما جاء بشأن موضوعه في سورة (طه) في الآيات من (37 - 40) .