معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 9، ص: 367
ويقال:"و كزه، يكزه وكزا": أي: ضربه بجمع يده على ذقنه.
أقول: لا بدّ أن يكون موسى قد بدا له أنّ القبطيّ هو المعتدي الظّالم للإسرائيليّ، بعد أن حاول أن يصالح بينهما، مع ما في نفسه من ضغينة على مستعبدي قومه بغير حقّ. لكنّ المصريّ بدأ يتطاول بالهجوم القتاليّ على الإسرائيليّ، وموسى يفصل بينهما، وربما تطاول على موسى، وثارت حفيظة موسى، فأراد أن يدفع المصريّ عن الإسرائيليّ، وكان ذا قوّة شديدة فوكز المصريّ بجمع يده على ذقنه، فسقط بها المصريّ قتيلا، وهذه من الكبائر الكبرى عند رجال القصر الفرعوني، أن يقتل إسرائيليّ مصريّ.
فَقَضى عَلَيْهِ: أي: فقتله، عبارة جرى بها الاستعمال للدّلالة على هذا المعنى. يقال في الاستعمال العربي:"ضربه فقضى عليه"أي:
فقتله.
قالَ هذا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ (15) :
لمّا رأى موسى عليه السّلام المصريّ قتيلا، لام نفسه على حدّة نفسه وتسرّعه وضربه المصري ضربة قصد بها دفعه ولم يقصد قتله، وذكر أنّ ما جرى معه من تسرّع، قد كان من نزغ الشّيطان، لا من عقل ورويّة وبصيرة.
ووصف الشيطان بأنّه عدوّ مضلّ واضح الإضلال للإنسان، ليخرجه عن صراط اللّه المستقيم.
وأدرك موسى أنّ وظيفته في مثل هذه الحالة أن يكون مصالحا بين الخصمين، لا أن يكون قاضيا وحاكما ومنفّذا حكمه، إذ ليس من حقّه وهو فرد من أفراد الرّعيّة، ولو في دولة كافرة، أن يجعل نفسه حاكما ومنفّذا أحكامه، إذ لا تتعدّى صلاحيّات أيّ فرد من أفراد الرّعيّة في مثل هذه الحالة حدود الإصلاح بين المتخاصمين، أمام أسس الحقّ الواجب الّتي تتّفق عليها العقول، ونزلت بها شرائع اللّه لعباده.