معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 9، ص: 370
يَسْتَصْرِخُهُ: أي: يصيح مستغيثا به.
قالَ لَهُ مُوسى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ (18) : أي: قال موسى للإسرائيليّ:
إنّك لممعن في الضّلال ظاهر البعد عن جادة الحقّ.
الغوي: الممعن في الضّلال بعدا عن صراط الحق.
فأدرك شهود الحدث في السّوق أنّ موسى هو الذي استغاث به الإسرائيليّ بالأمس، فنصره فقتل خصمه المصريّ، وأخذ النّاس يتهامسون بهذا ويشيعون الخبر، ووصل النبأ إلى أسماع رجال الأمن، فنقلوه بسرعة إلى رؤسائهم، ووصل الأمر إلى ذوي السّلطة في القصر الفرعونيّ.
فَلَمَّا أَنْ أَرادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُما ... دلّت هذه العبارة على أنّ موسى أخذته حدّة الانتصار لقومه الإسرائيليين، فأقبل نحو المصريّ، ليصالح بينه وبين الإسرائيليّ فيما يظهر، وفي نفسه أن يبطش بالقبطيّ إذا رآه ظالما، وأن يحبس نفسه عن التّسرّع حتى يستوثق:
قالَ يا مُوسى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَما قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ وَما تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ (19) :
قرأ أبو جعفر: [يبطش] . كسر الطاء وضمّها لغتان عربيّتان في هذه الكلمة.
يظهر أنّ المصريّ هذا كان هو المعتدي الظّالم، فأسرع إلى اتّهام موسى بأنّه هو الّذي قتل القبطيّ بالأمس، اعتمادا على الظّنّ الذي حفّت به الأمارات المرجّحات، وليشيع هذا في شهود الحدث، وليصدّ موسى عن أن يتدخّل في الأمر مصالحا بينه وبين الإسرائيليّ، وفجر في شتيميته لموسى، فقال له: ما تريد إلّا أن تكون جبّارا في أرض مصر، وما تريد أن تكون من المصلحين بين الخصماء، وفي هذه الشتيمة إثارة لحفيظة رجال القصر الفرعونيّ على موسى إذا وصلهم النّبأ بما جرى.