فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 9، ص: 388
القضيّة الرابعة: أنّ موسى عليه السّلام آنس وهو يسير بأهله ليلا عن بعد نارا تتعالى ألسنة لهبها في الجوّ، وكان البرد شديدا، ولم يقدح زناده لإيقاد نار للاستدفاء بها، وكان الطّريق السّويّ إلى مصر غير واضح، وقد دلّ على أنّه آنس نارا قول اللّه عزّ وجلّ في الآية: آنَسَ مِنْ جانِبِ الطُّورِ نارًا: أي: وحين قضى موسى الأجل وسار بأهله متوجّها شطر مصر، أنس وهو يسير على الطريق نارا تلتهب متصاعدة من جانب الطّور.
آنَسَ: أي: أبصر، يقال لغة:"أنس الشّيء"أي: أحسّ به.
ويقال:"آنسه"أي: أبصره، أو علمه إذا كان ممّا يعلم، أو سمعه إذا كان ممّا يسمع.
مِنْ جانِبِ الطُّورِ: أي: من ناحية وجهة ومكان قريب من جبل الطّور. ويسمّى عند الإسرائيليين:"جبل اللّه حوريب".
نارًا: أي: شيئا مشتعلا على شكل نار. قالوا: ولم تكن في الحقيقة نارا، وإنّما كانت نورا على شكل نار ذات لهب.
القضية الخامسة: أنّه طلب من أهله زوجته وولديه وربّما كان معهم خادمهم، أن يمكثوا ليذهب إلى جهة النّار، راجيا أن يحقّق أمرين أو أحدهما:
الأمر الأول: أن يستفيد خبرا من أهل النار عن أيسر وأقرب طريق موصل إلى مصر.
الأمر الثاني: أن يأتي بجذوة من نار يوقدون بها حطبا بغية أن يستدفئوا من البرد.
دلّ على هذه القضيّة قول اللّه عزّ وجلّ في الآية: ... قالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (29) :