فهرس الكتاب

الصفحة 621 من 8918

معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 1، ص: 642

ولم يقتصر أمر الإنسان (و المراد معظم أفراد هذا النوع) على استعماله لهذه الوسيلة الحربيّة، التي هي الخيل، في غزوات السّلب والنّهب، والظلم والعدوان، والاستعلاء في الأرض بالبغي والطغيان، بل جعل ذلك قانونا محمودا، وحقّا للأقوياء على الضّعفاء، وقاعدة متعارفا عليها من قواعد المجتمعات البشريّة، وتقليدا متّبعا، وحكما سائدا، لا يعيب فيه الناس بعضهم على بعض، فقلب الإنسان بهذا مفاهيم الحقّ والباطل، فهو يفعل ما يفعل من الجرائم متفاخرا، شاهدا على نفسه بما يفعل، مفرّقا بين جرائمه الشّنيعة وبين اللّصوصيّة وأشباهها، إذ يزعم أنّ الغزو للسّلب والسّطو والقتل والأسر حقّ الأقوى على الأضعف.

وهذا غاية الكنود والجحود والكفران، والسّبب الباعث حبّه الشديد للمال.

وقد جاء المقطع الثّاني من السّورة بجمله الثلاث الموجزات، مبيّنا بصريح الكلام وبلوازمه الفكريّة هذه القضايا عن واقع حال الإنسان، فقال اللّه عزّ وجلّ في المقسم عليه في السورة:

إِنَّ الْإِنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ (6) وَإِنَّهُ عَلى ذلِكَ لَشَهِيدٌ (7) وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ (8) .

جمل ثلاث، كلّ جملة منها آية، كأنّها درّات في عقد نفيس، والروابط بينها روابط أشعّة وظلال، وروابط مفهومات فكريّة، يستخرجها التّدبّر الواعي، والتأمّل العميق.

ونلاحظ هنا أنّ رصف هذه الجمل المنتقيات بحكمة عظيمة، دون إبراز الروابط بينها بعبارات كلاميّة، أسلوب مختار لإعطاء القرآن المجيد صفة العمق من وراء دلالات السّطح.

وهذه الجمل هي بمثابة عنوانات مباحث يحيط بها موضوع واحد شامل، وتفصيلها يأتي في كرّاسات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت