فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 9، ص: 429
الإرادة، لم يكن من حكمته أن يجعل أحدا منهم مجبورا بالفطرة على أن يكون مهديّا، ولا أن يجعل أحدا منهم مجبورا بالفطرة على أن يكون ضالّا، لأنّ هذا مناقض لوضع الناس في الحياة الدنيا موضع الامتحان المستلزم عقلا لحرّيّة الإرادة، إذ بين الجبر وحرّيّة الإرادة تناقض واضح.
المعنى الثاني: إنّك لا تستطيع أن تحكم بالهداية لمن تحبّ، لأنّ الحكم بالهداية أو الضّلالة هو للّه وحده لا شريك له، ولا تملك من ربّك أن يحكم بهداية من تحبّ، إن الحكم إلّا للّه، وهو يحكم على من يشاء بالضّلالة، ولمن يشاء بالهداية، لكنّ مشيئته لا تفارق حكمته، وليس من حكمته أن يحكم للضّالّ في واقع حاله بأنّه كان مهديّا، ولا أن يحكم على ذي الهداية في واقع حاله بأنّه ضالّ، بل من كان ضالّا في واقع حاله حكم عليه بأنّه ضالّ بمشيئته تعالى المطلقة الّتي لا تفارق حكمته، ومن كان مهتديا في واقع حاله حكم له بالهداية، بمشيئته المطلقة الّتي لا تفارق حكمته أيضا.
وبمقتضى هذا المعنى تكون عبارة: وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ دالّة على معنى: أنّ الحكم بالهداية أو بالضّلالة هو للّه وحده، وهو سبحانه يحكم بمشيئته المطلقة، ولكنّ صفة مشيئته المطلقة لا تفارق صفة حكمته، ولا تتناقض معها ولا تتعارض، بل صفات اللّه جلّ جلاله وعظم سلطانه- متكاملات فيما بينها، لا يمكن أن يكون بينها تناقض أو تضادّ، وهذا من كمال صفات اللّه.
وتأتي عبارة: .. وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (56) في الآية متمّمة لهذا المعنى الثاني، أي: وهو أعلم بالمهتدين هداية حقيقيّة في باطن ما في نفوسهم وقلوبهم، فهو يحكم بالهداية لمن يعلم من نفسه وقلبه أنّه مهتد، ويحكم بالضّلالة على من يعلم من نفسه وقلبه أنّه ضالّ.