فهرس الكتاب

الصفحة 6220 من 8918

معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 9، ص: 428

قويّ وحرص بالغ يريد من عمّه أن يعلن إيمانه وإسلامه ولو سرّا بينه وبينه، ولو في أذنه ليشهد له بذلك عند ربّه يوم الدّين.

لكنّ أبا طالب لم يحقّق رغبة ابن أخيه محمّد رسول اللّه للناس أجمعين، ومات ولم يسمع منه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم كلمة التوحيد، فحزن من أجله، وتمنّى له الهداية لينجيه اللّه يوم الدّين من الخلود في عذاب النار، فأنزل اللّه عليه هذه الآية.

روى البخاري ومسلم وغيرهما من حديث المسيّب. وروى مسلم وغيره من حديث أبي هريرة: أنّ قول اللّه عزّ وجلّ: إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ نزلت في أبي طالب لمّا امتّنع من الإسلام.

عبارة: إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ أي: هدايته يمكن حملها على معنيين:

المعنى الأول: إنّك لا تستطيع أن تجعل من أحببت مؤمنا مسلما مهديّا، بطريقة إلزّميّة جبريّة، إذ لست خالقا تملك الخلق الجبريّ، ولست تملك الإلزام القسريّ على الهداية، لأنّ الإيمان والإسلام من أعمال القلوب وتصرّفات الإرادات الحرّة، والمطلوب في الدّين هو الإيمان والإسلام بالاختيار الحرّ، وليس بالإلزام والإكراه، ومن أعلن إيمانه وإسلامه وهو مكره فإنّه لا يقبل ذلك منه عند ربّه، ويحاسب على ما في قلبه.

وبمقتضى هذا المعنى تكون عبارة: وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ دالّة على معنى: أنّ اللّه هو القادر على أن يخلق من يشاء من عباده مجبورا على الهداية، كما خلق الملائكة الكرام مفطورين على الإيمان بربّهم، والطاعة له، ولكنّه لم يضعهم موضع الابتلاء والامتحان.

وإذ وضع اللّه النّاس موضع الابتلاء والامتحان، الذي يقتضي حرّيّة

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت