فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 9، ص: 454
التعليم في هذه المناظرة الجدليّة الإقناعيّة، يوجّه الدّاعي إلى اللّه وإلى توحيده في الرّبوبيّة والإلهيّة، أن يطرح على المشركين الّذين يعبدون من دون اللّه السّؤال حول ظاهرتين من ظواهر تدبير اللّه في كونه، رحمة بعباده سكّان الأرض.
هما ظاهرتا اللّيل والنّهار، اللّتّان هما من رحمة اللّه بسكّان الأرض، إذ واءم بين ما فطرهم عليه، وبين ما أعدّ لهم في الأرض الّتي اختارها ليسكنوها.
ومن هذه المواءمة أن جعل لهم ليلا ليسكنوا فيه، وجعل لهم نهارا ليعملوا فيه أعمالا يبتغون بها ما ينالونه من فضل اللّه عليهم في أرزاقهم ومطالب حياتهم.
الداعي إلى اللّه يخاطب المشركين مسائلا: أتفكّرتم في ظاهرتي اللّيل والنّهار، اللّتين تفضّل اللّه الرّبّ الخالق الحكيم الذي يخلق ما يشاء ويختار بهما على عباده في الأرض رحمة بهم.
لو أنّه- جلّ جلاله- لم يجعل هذا النظام القائم بين الأرض والشّمس، إذ تدور الأرض حول نفسها باتّجاه الشّمس في نظام دقيق جدّا لم يخرم طوال ملايين الأحقاب، بل جعل الأرض مظلمة دواما، لا تشرق عليها شمس يجعل فيها نهارا بل كان اللّيل فيها سرمدا إلى يوم القيامة.
فهل آلهتكم الّتي تعبدونها من دون اللّه ربّكم، قادرة على أن تأتيكم بضياء من كوكب من الكواكب الملتهبة، فتجعل على أرضكم نهارا تحقّقون فيه كثيرا من مصالح حياتكم؟؟.
إنّ أحدا من المشركين لا يستطيع أن يدّعي أنّ إلهه أو آلهته من دون اللّه قادرة على أن تفعل ذلك.
إنّهم لا يجدون جوابا لهذا السّؤال، بل يصمتون، وفي هذا الصّمت