معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 9، ص: 469
ما إِنَّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ:"ما"اسم موصول بمعنى الّذي"إنّ"واسمها وخبرها صلة الموصول، ولهذا جاءت"إنّ"مكسورة.
مَفاتِحَهُ: الضمير يعود على اسم الموصول"ما"ولفظ"مفاتح"جمع"مفتح"وهو المفتاح، وفي الجمع يقال:"مفاتح"و"مفاتيح".
لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ: يقال لغة:"ناء بالرّجل الحمل"أي:
ثقل عليه فأماله عجزا عن النهوض به قائما.
و"العصبة"هي الجماعة من النّاس.
فدلّت العبارة على أنّ مفاتح أبواب كنوز قارون، إذا حملتها الجماعة من الرّجال ذوي القوّة، مالت ظهورهم من ثقلها عجزا عن النّهوض بها قائمين.
أقول: هذا يستلزم ذهنا أن تكون مفاتيح حديديّة كبيرة، تفتح بها أقفال عظيمة مثبّتة في أبواب الكنوز، أمّا ما قيل من أنّها صغيرة، أو من جلود فغير مقبول عقلا.
وقال له عقلاء قومه وراشدوهم المؤمنون، ولا بدّ أن يكون في مقدّمتهم موسى وهارون عليهما السّلام، خمس مقالات نصحوه ووعظوه بها، جاء في هذا النّصّ بيان عنواناتها، وهي كما يلي:
المقالة الأولى: دلّ عليها قول اللّه عزّ وجلّ: .. إِذْ قالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ:
أي: ضع في ذاكرتك أيّها المتلقّي أيّا كنت قول قوم قارون له: لا تَفْرَحْ يأتي الفرح في اللّغة بمعنى البطر والأشر، أي: بمعنى الاستكبار والتفاخر والتّعالي على الناس، ومعلوم أنّ من فرح بكثرة أمواله، طغى