معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 9، ص: 485
المادّة الثانية: دلّت عليها عبارة: وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ إِلَّا ما كانُوا يَعْمَلُونَ (84) :
كان من المتبادر أن يقال: ومن جاء بالسّيّئة فله مثلها. فما الحكمة ممّا عدل إليه ممّا يتوهّم أنّه إطناب.
أقول: دلّت هذه العبارة المختارة في النّصّ على عدّة قضايا:
الأولى: نفي الزّيادة على المثل بأسلوب الحصر والقصر، عن طريق النّفي والاستثناء.
الثانية: الإشعار باحتمال الغفران والعفو، لأنّ نفي الزّيادة على المثل، لا يدلّ على الجزاء بالمثل حتما، بل إذا حصل الجزاء فلا تكون فيه زيادة على المثل، وقد يحصل الغفران والعفو.
الثالثة: استعمال عبارة: ما كانُوا يَعْمَلُونَ تدلّ على المطابقة التامّة بين السّيّئة وجزائها، حتّى يقال في الجزاء هو عين العمل لشدّة المطابقة بينهما، بخلاف التعبير بلفظ"مثل"أو نحوها، فإنّها تحتمل الزّيادة ولو قليلا كما تحتمل النّقصان في فهم الناس لمعنى المماثلة بين شيئين، لكنّ الجزاء الرّبّانيّ على السّيّئة إذا حصل فهو لا يزيد على المطابقة حتما.
الرّابعة: التّنصيص بعبارة كلّيّة عامّة، على أنّ جميع الّذين عملوا السّيّئات، لا يجزون إلّا ما كانوا يعملون، فلا يزاد أحد منهم على ذلك.
وهذه القضايا الأربع لا تستفاد من عبارة: ومن جاء بالسّيّئة فله مثلها.
وجاء في القرآن بشأن الجزاء على السّيئة ما يلي:
(1) وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى إِلَّا مِثْلَها وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (160) الأنعام.
أي: فلا يجزى إذا جوزي جزاء كاملا إلّا مثلها.
(2) وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئاتِ جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها ... (27) يونس.
أي: إن جوزوا جزاء كاملا فجزاء سيّئة بمثلها.