معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 9، ص: 484
مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ إِلَّا ما كانُوا يَعْمَلُونَ (84) :
جاء في هذه الآية بيان القاعدة الكليّة العامّة للجزاء الرّبّانيّ يوم الدّين، وهذه القاعدة تشتمل على مادّتين:
المادّة الأولى: دلّت عليها عبارة: مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها: أي:
من أتى ربّه يوم القيامة بالحسنة المقبولة عنده تعالى، مسجّلة في كتاب أعماله الّذي لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلّا أحصاها، فله عند ربّه خير منها ثوابا عليها وجزاء حسنا، وثبت في نصوص أخرى أنّ أدنى ثوابه على الحسنة عشرة أضعافها، إلى سبعمائة ضعف، إلى أضعاف كثيرة لا يعلمها إلّا اللّه، وفهم كون هذا جزاء، من الجزاء المصرّح به بالنسبة إلى من جاء بالسيّئة.
والمراد بالحسنة ما يكسبه الإنسان بإرادته الحرّة ابتغاء مرضاة ربّه، من حركة نفسيّة أو فكريّة أو جسديّة، يقدّم بها طاعة لربّه من ذاته أو ممّا يملكه أو ممّا يختصّ به، ولو خاطرة فيها نفع وخير يقدّمها في سبيل اللّه وطاعة له، أو نيّة قلبيّة من وراء إرادة كسب صالح ظاهر أو باطن عمله أو قام مانع من عمله لم تنقض به إرادته.
وكلّ مكسوب إراديّ يدخل في عموم مطلوبات اللّه من عباده في رحلة امتحانهم في الحياة الدنيا، إلزاما أو ترغيبا وندبا، ويطلق عليه عنوان"الحسنة"كبيرا كان أم صغيرا، ظاهرا كان أم خفيّا، ولو كان في صغره وخفائه ممّا لا يعلمه إلّا اللّه جلّ جلاله وعظم سلطانه.
يقال لغة:"جاء بكذا"أي: أتى به، ويفهم من القرائن بوضوح أنّه أتى بالمكسوبة الحسنة إلى ربّه في كتاب أعماله يوم الدّين.
لفظ"الحسنة"مؤنث لفظ"الحسن"وهو الشيء الجميل، ولا يأمر اللّه ولا يرغّب إلّا بالجميل، وعلى النّقيض تماما ما يأمر به الشيطان أو يرغّب فيه.