معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 9، ص: 483
والمسلمين، وإقامة الحكم الإسلامي، فمن كان مطلبه تحقيق العلوّ في الأرض للوصول إلى حظوظ نفسه، سقط عند امتحانه بالوصول إلى مغنم كبير ممّا يحبّ من زينة الحياة الدّنيا، كالإطماع بمال وفير، أو منصب خطير، أو مركز اجتماعيّ رافع، أو ثناء عطر ذائع، وتمزّقت الشّعارات السّابقات، واشتدّت بنسفها إلى القمامات رياح الواقع.
وإرادة العلوّ في الأرض لتحقيق حظوظ النّفس، لا بدّ أن تجرّ صاحبها إلى إرادة الفساد، لتحقيق المراد، فحظوظ نفوس الأفراد من الدّنيا لا تتحقّق إلّا بالفساد.
أمّا طلب الإمارة، أو الوظيفة الإداريّة، أو الوظيفة الدّينيّة، أو الرّضا بشيء من ذلك، لإقامة الحقّ والعدل ورفع الظّلم، ولإقامة أحكام الإسلام وشرائعه، ونشر دين اللّه في الأرض، والدّعوة إليه، وتبليغ بياناته للنّاس، مع الصّدق في كلّ ذلك، فلا يدخل في عموم إرادة العلوّ في الأرض، بل له عنوان آخر يدخل في عمومه هو الجهاد في سبيل اللّه، إنّ المؤمنين الصّادقين المتّقين لا يريدون العلوّ في الأرض، وإنّ إرادة العلوّ في الأرض لا تكون إلّا مدفوعة بعوامل الكبر، ورغبات تحقيق حظوظ النفس من الدّنيا، وقلّما يسلم طالب مراتب الدنيا من داء حبّ العلوّ في الأرض، لتحقيق حظوظ النفس من الدنيا، ولهذا كان يتهرّب منها طلّاب الآخرة.
وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ: جاءت في القرآن كلمة [العاقبة] معرّفة ب (ال) الّتي تدلّ على كمال ما عرّفته أربع مرّات، والمراد بها في كلّ هذه المواضع العاقبة الحسنة في جنّات النعيم.
المتّقون: هم الّذين يقون نفوسهم من الخلود في العذاب يوم الدّين، بإيمان صحيح صادق، وعمل صالح فيه مرضاة للّه عزّ وجلّ، يعبّرون به عن صدق إيمانهم، ثم يرتقون في درجات مرتبة التقوى، وقد يرتقون إلى مرتبة البرّ فمرتبة الإحسان.