معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 1، ص: 68
ويمكن أن تجتمع هذه المعاني هنا، فهذا الطاغي الباغي لئن لم ينته عن أعمال العدوان الّتي يقوم بها لنجازينّه بالضّرب على ناصيته، والقبض عليها، وأخذه منها، وجذبه إلى حيث ينزل به العذاب.
الناصية: مقدّم الرّأس، وشعر مقدّم الرأس إذا طال، وتجمع على نواص وناصيات.
وجاء في سورة (الرّحمن/ 55 مصحف/ 97 نزول) بيان أنّ المجرمين يوم القيامة يؤخذون إلى دار العذاب بنواصيهم وأقدامهم لقذفهم فيها، ولا يخفى ما في هذا من إهانة وإذلال لهم، فقال عزّ وجلّ فيها:
يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيماهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّواصِي وَالْأَقْدامِ (41) .
ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ (16) : جاء وصف ناصية هذا الطاغي الباغي المجرم بأنّها كاذبة خاطئة، والمراد أنّه هو في هوّيّته الدّاخليّة كاذب خاطئ، وهذا مجاز مرسل، وهو من إطلاق بعض الظاهر وإرادة الباطن، ولمّا كانت الناصية الّتي هي مقدّم الرأس مكان التكريم الأعلى من الإنسان، وكان في باطن الرأس من بعدها جهاز الفهم والتفكّر، ومنابع الإرادات ومناط المسؤوليّات، ناسب أن تطلق الناصية ويراد ما يحتوي الرّأس بعدها، المشتمل على الجهاز المركزيّ للوعي والإرادة.
الخاطئ: المذنب العاصي.
ولمّا كان هذا النّصّ قد نزل بمناسبة قول أبي جهل للنبيّ محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم وهو يصلّي: ألم أنهك عن هذا؟ إنّك لتعلم أنّه ما بها رجل أكثر ناديا منّي.
كان من المناسب أن يوجّه له النّصّ التّحدّي بأن يدعو كلّ أهل ناديه، أي: بأن يدعو كلّ أنصاره مستظهرا بهم على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، فإنّ اللّه سيمنع رسوله ويحفظه منهم، إذ سيرسل الزّبانية، وهم ملائكة إهلاك