معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 1، ص: 69
وتعذيب، فينزلون به وبأنصاره الّذين يدعوهم تعذيبا شديدا وإهلاكا، ويمنعون رسول اللّه منهم، فقال اللّه عزّ وجلّ:
فَلْيَدْعُ نادِيَهُ (17) سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ (18) .
ويظهر أنّ أبا جهل ذعر من هذا التّحدّي والوعيد الرّبّاني فلم يستنصر بأحد من أهل ناديه على الرسول محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم، وأعرض عن متابعة الرّسول في عباداته، ولا سيما بعد أن ظهر له ما خلع قلبه حين حاول أن يقترب من الرسول وهو ساجد ليطأ على عنقه ويعفّر وجهه بالتراب.
فَلْيَدْعُ نادِيَهُ (17) : أمر تحدّ بأسلوب خطاب الغائب، احتقارا له وازدراء به.
النادي: يطلق على المكان الذي يجتمع فيه القوم، ويطلق على أهل المكان، فيقع على المجلس وأهله، ويطلق على أهل الرجل وعشيرته، وهذا المعنى الأخير هو الملائم لقول أبي جهل للرسول صلّى اللّه عليه وسلّم: إنّك لتعلم أنّه ما بها رجل أكثر ناديا منّي، أي: ما بها أكثر أهلا وعشيرة وأنصارا منّي.
وإذا كان المقصود ما بها رجل أكثر أهل ناد منّي، على معنى إطلاق لفظ النادي على المكان، فهو من إطلاق لفظ المكان على أهله ومرتاديه، على طريقة المجاز المرسل بإطلاق المحل وإرادة الحالّ فيه.
الزّبانية: قال قتادة: الزّبانية عند العرب الشّرط. وجاء في كتب اللّغة أنّ الزّبانية هم الّذين يزبنون النّاس، أي يدفعونهم.
وسمّى اللّه بعض ملائكته زبانية، لأنّهم يدفعون أهل الكفر والتكذيب والعناد عن أولياء اللّه، ويدفعونهم إلى النار والعذاب فيها يوم الدّين.
وأخيرا أعاد النّصّ زجر هذا الصنف الطاغي الباغي الضّالّ المضلّ، فقال اللّه عزّ وجلّ: (كلا)