معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 9، ص: 561
يكونوا مسلمين حقّا، وبأن يعدّوا لهذا الانتصار عدّته ضمن أنظمة اللّه السّببيّة في كونه.
ولكنّ عقاب اللّه لليهود لا يكون عقاب استئصال وإبادة شاملة، لما للّه فيهم من حكمة أو حكم، كما كان للّه من حكمة في إنظار إبليس إلى إنهاء ظروف الحياة الدّنيا.
قول اللّه عزّ وجلّ في متابعة ما أنهاه إلى بني إسرائيل من بيان عن لقطات من تاريخهم المستقبليّ، ينصحهم، ويحذّرهم، ويبيّن لهم أنّ جهنّم هي عاقبة الكافرين جميعا منهم ومن غيرهم.
عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنا وَجَعَلْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ حَصِيرًا (8) :
معارج التفكر ودقائق التدبر ... ج 9 ... 561
هذه الآية الّتي ختم اللّه بها هذا الدّرس الثاني بيان ثلاث قضايا وجّهها اللّه لبني إسرائيل، وهي تشمل عامّة اليهود ومن على شاكلتهم:
القضيّة الأولى: دلّ عليها قول اللّه عزّ وجلّ: عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ: أي: بعد معاقبة اللّه لكم بأيدي عباد له (و هم المسلمون فهما من عدّة أدلّة وقرائن) يبقي اللّه لكم الرّجاء بأن يرحمكم ويتوب عليكم ويدخلكم ضمن عباده المرحومين. ومعلوم أنّ هذه الرّحمة الخاصّة مشروطة بالإيمان بما أوجب اللّه الإيمان به، وبعمل صالح يعبّر عن صحّة هذا الإيمان والصّدق فيه، أخذا من دلالات النّصوص القرآنيّة الكثيرة، وهذا إنّما يكون بإسلام من يريد لنفسه النجاة والسّعادة الأبدّيّة منهم.
القضيّة الثانية: دلّ عليها قول اللّه عزّ وجلّ: وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنا:
أي: وإن عدتم إلى مثل ما كنتم عليه من إفساد عريض في الأرض، وطمع في أن يكون لكم علوّ كبير وملك عظيم، عدنا إلى اتّخاذ تدبيرات ترجعكم إلى وضعكم الّذي ضرب عليكم من الذّلّة والمسكنة، مع إقامتكم الدّائمة بموقع غضب من اللّه عليكم.