معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 1، ص: 659
قول اللّه عزّ وجل خطابا لرسوله:
إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ (3) :
شانِئَكَ: أي: مبغضك، يقال لغة: شنأه يشنؤه شنئا، أي:
أبغضه وتجنّبه، فهو شانئ له. ويقال: تشانؤوا، إذا تباغضوا.
الأبتر: هو الأقطع من كلّ خير. وكلّ أمر انقطع أثره من الخير فهو أبتر. والأبتر الّذي لا عقب له، والمعدم، والخاسر، والذي ليس له ولد ذكر يبلغ مبلغ الرّجال يكون معينا له وقوة وسندا.
وقد جاءت هذه الآية تسلية للرّسول محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم، ودفاعا عنه، وردّا لمقالة من قال من المشركين: محمّد أبتر لا يعيش له ولد ذكر، بعد أن مات ولداه القاسم وعبد اللّه، كما سبق بيانه في المقدمات.
وجاء في الآية استخدام لفظ (الأبتر) بمعنى المقطوع من كلّ خير، لا بمعنى الذي ليس له ولد ذكر يبلغ مبلغ الرّجال ويكون معينا له وقوة وسندا، وهو دفاع أشدّ وأقوى من الهجوم، مع استخدام اللفظ نفسه الذي أطلقه مبغضو الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم.
وقد جاء في هذه الآية تأكيد الخبر الذي تضمّنته بمؤكدات ثلاثة:
حرف التأكيد"إنّ"والجملة الاسميّة وضمير الفصل.
وفي الآية قصر قلب، أي: ليس محمّد أبتر إذ لم ببق اللّه له ولدا ذكرا يبلغ مبلغ الرجال، فاللّه قد أيّده بنصره وبالمؤمنين، ولحكمة عظيمة أمات أولاده قبل أن يبلغوا أن يكونوا رجالا، ولكنّ مبغضه هو الأبتر المقطوع الأثر من كلّ خير، والخالد في الشقاء الأبديّ بسبب كفره ..
أي: فليس الأبتر في الحقيقة من لا عقب له، ولا من ليس له ولد يبقى حتّى يكون رجلا يشدّ أزر أبيه، إنّما الأبتر هو من لا عقب له من الخير عند اللّه عزّ وجل في آخرته يوم الدين.