فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 9، ص: 579
القضيّة الأولى: دلّ عليها قول اللّه عزّ وجلّ: وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ:
أي: وكلّ إنسان موضوع في الحياة الدّنيا موضع الابتلاء، لأنّ الموضوع يتعلّق بإلزامه عمله لمحاسبته عليه ومجازاته.
أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ: أي أثبتنا مسؤوليّته عن عمله في عنقه إثباتا دائما، يقال لغة:"ألزم الشّيء"أي: أثبته وأدامه. ويقال:"ألزم فلانا الشّيء": أي: أثبت الشيء به إثباتا له صفة الدوام.
أطلق لفظ"طائر"على ما يكسبه الإنسان في رحلة امتحانه في الحياة الدّنيا، من عمل جسديّ أو نفسيّ، على سبيل الإستعارة.
لأنّ قدرة الإنسان على الكسب الإراديّ الظّاهر والباطن تكون حبيسة في ذاته، كالطائر في القفص، وحين يعمل الإنسان عمله الإرادي الّذي يحاسب عليه عند ربّه، فإنّه يطير من ذاته الّتي هي قفصه، فإذا طار لم يستطع إعادته إلى قفصه، لكن تبقى مسؤوليّته عليه، ملازمة له، ما لم يغفرها اللّه أو يعف عنها، بطائر آخر هو كسب حسن قد يمحو اللّه به أثر الكسب السّيّئ، على قاعدة:"إنّ الحسنات يذهبن السّيّئات".
وذكر لفظ"عنق"في عبارة فِي عُنُقِهِ كناية عن كلّ ذات نفسه، وذلك لأنّ الأسير يوضع الغلّ في عنقه والمراد حبس ذاته عن الفرار، وكذلك المجرم إذا أخذ وأريد قوده إلى سجنه أو عقابه.
وإعراب: وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ نظير: وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْناهُ على ما ذكرت في آخر الدّرس السابق.
القضيّة الثانية: دلّ عليها قول اللّه عزّ وجلّ: وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كِتابًا يَلْقاهُ مَنْشُورًا (13) :