فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 9، ص: 583
أمّا الأفراد الذين لم تبلغهم دعوة رسول، فإنّ اللّه عزّ وجلّ لا يعذّبهم حتّى يتمّ لهم شروط امتحانه لهم، وله سبحانه وتعالى فيهم الاختيار العادل ولا يظلم اللّه أحدا مثقال ذرّة.
القضية الثامنة: دلّ عليها قول اللّه عزّ وجلّ: وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْناها تَدْمِيرًا (16) .
وفي القراءة الأخرى [ءامرنا] بمعنى: كثّرنا. وقراءة أمرنا بمعنى:
وجّهنا لها أمرا تكليفيا بفعل الصّالحات وترك المنكرات، وتأتي بمعنى كثّرنا.
المترفون: الذين هم كثيرو الاستمتاع بما أنعم اللّه عليهم من متاع الحياة الدّنيا، والبطرون المستكبرون.
والمعنى: وإذا أردنا أن نهلك أهل قرية إهلاكا جماعيّا في الحياة الدّنيا، لأنّ الحكمة تقتضي إهلاكهم بسبب كفرهم وطغيانهم وفسادهم وإفسادهم، فإنّ لنا سنّة لتحقيق هذا الإهلاك.
وهذه السّنّة تتلخّص بأمرين:
الأمر الأوّل: أن نوجّه لهم الأوامر والنواهي الصارمة، فنأمرهم بفعل الصّالحات، وننهاهم عن فعل المنكرات، ونحذّرهم من الفسق بالخروج عن طاعتنا.
إلّا أنّهم لسوئهم يفسقون ولا يطيعون، وتكون الكثرة غير المترفة فيهم تابعة لهم بالتّقليد الأعمى، وبالخضوع لأكابرهم دون وعي منهم.
الأمر الثاني: أن نوسّع عليهم في الأرزاق والخيرات ووافرات من متاع الحياة الدنيا وزيناتها، حتّى يكثر مترفوهم ويكونوا هم النّسبة الغالبة، والذين لم يكونوا مترفين يتحرّرون من تبعيّتهم للمترفين السّابقين، فلا تكون على بصائرهم غشاوة ألقتها سلطة اجتماعيّة ذات تاثير، بل هؤلاء