معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 9، ص: 596
متكاملين قبل بدئها وبعد ختامها. فالحاصر قبل بدئها هو قول اللّه عزّ وجلّ: لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا (22) والحاصر بعد ختامها هو قول اللّه عزّ وجلّ: وَلا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلهًا آخَرَ فَتُلْقى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا (39) .
ويدلّ هذان الحاصران على أنّ طاعة اللّه في الوصايا الواقعة بينهما في النّصّ من توحيده في إلهيّته، مع دلالتهما على التّحذير من اتّخاذ إله آخر مع اللّه في قضايا أخرى لم تشتمل عليها هذه الوصايا، ومضمون الحاصرين يمثّل وصية من الوصايا مؤكدة لمضمون الوصية الأولى.
لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلهًا آخَرَ: أي: لا تعبد مع اللّه معبودا آخر غير اللّه، فهذه العبادة من الشّرك.
فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا: جاء التعبير بالقعود لأنّه يدلّ على العجز وانخفاض المكانة، فلفظ"القاعد"يكنّى به عن العاجز الذي ينظر إليه القائمون العاملون أصحاب العزائم نظرات استعلاء عليه، واستهانة به، وذمّ لكسله وجبنه وضعته، فهو مذموم عند اللّه وملائكته، وعباده الصّالحين، وهذا من عقوبات اللّه له في الدنيا.
مَخْذُولًا: أي: غير معان ولا منصور عند حاجته إلى من يعينه وينصره، وهذا من عقوبات اللّه له في الدّنيا، وشركاؤه لا تغني عنه شيئا لا في الدنيا ولا في الآخرة.
فَتُلْقى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا: في هذه العبارة الّتي ختم بها الحاصر الأخير بيان لعقوبته يوم الدّين على شركه، بإلقائه في جهنّم خالدا فيها مخلّدا، حالة كونه ملوما مدحورا.
مَلُومًا: أي: موصوفا بالذّنب والإثم، وهو شركه، والشّرك ظلم عظيم، وجرم كبير، مع لوازم هذا الشرك من سلوك سيّئ.