فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 9، ص: 606
إلى جهة العنقّ، إذ يدير جسمه إلى جهة الشّمال عن مواجهة الطالب، فحركة اليد اليمنى تكون إلى جهة عنقه، فيكون حينئذ بمثابة مغلول اليد إلى عنقه، كان من بديع الكنايات أن يقال له: وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ أي: لا تكن شحيحا ولا بخيلا في الإنفاق على نفسك وأهلك وعشيرتك وضيفك وغيرهم.
هذا التعبير الكنائي، قد امتزجت فيه استعارة قائمة على تشبيه الشحيح بالأسير الّذي غلّت يده إلى عنقه، فهو من الأمثلة الرّائعة الّتي امتزجت فيها الكناية بالإستعارة، أو بالتشبيه، على تقدير: ولا تجعل يدك كالمغلولة إلى عنقك.
ويوحي هذا التّعبير بأنّ الشّحيح يأسره شحّه، فيجعل يده كالمغلولة إلى عنقه، برباط من داخل نفسه.
وأمّا التّبذير والإسراف فقد جاء التّعبير عنهما بكناية بسط اليد بسطا كاملا، فقال اللّه عزّ وجلّ: وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ أي: ولا تبسطها البسط كلّه، لأنّ بعض البسط محمود، وهو الجود والكرم والتوسعة في البذل في غير معصية اللّه عزّ وجلّ، ولكن دون أن يصل هذا إلى حدّ الخروج عن الحكمة والرّشد في التّصرّف.
وحينما تقتضي المصلحة الإسلاميّة بذل كلّ شيء يكون بذله إيثارا حكيما، وعملا رشيدا، وإحسانا رفيعا، وهو كالتضحية بالنّفس جهادا في سبيل اللّه، وعلى هذا يحمل ما فعل"أبو بكر"رضي اللّه عنه. حينما جاء إلى الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم بكلّ ما يملك لتمويل القتال في سبيل اللّه، فقال الرسول له: ماذا تركت لعيالك؟ فقال: تركت لهم اللّه ورسوله.
وفي ختام هذه الوصيّة بالقصد في الإنفاق قال اللّه عزّ وجل:
فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا: