فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 9، ص: 605
أي: وإمّا تعرضنّ عن إيتاء ذي القربى والمسكين وابن السّبيل، لكونك غير ذي يسار وغنى، وكان إعراضك عن إعطائهم لأجل ابتغاء أن يوسّع ربّك عليك الرّزق برحمته، وأنت تترقّب ذلك، فقل لهم قولا حسنا ميسورا لك أن تقوله لهم.
فعدم البذل مع العسر في الأموال يهوّن من وخزاته اليسر في الأقوال.
الإعراض: إعطاء العارض، أي: جانب الوجه، وهو وسط بين الإقبال والإدبار، وليس المراد الحركة في الجسم هنا، بل المراد عدم الإعطاء ولكن برفق، إذ الإقبال مطمع، والإدبار موجع، أمّا الإعراض مع القول الحسن الميسور فمقنع.
الوصيّة السّادسة: التّوجيه للتّوسّط والاعتدال في الإنفاق، دلّ على هذه الوصيّة قول اللّه عزّ وجلّ بأسلوب الخطاب الإفراديّ: وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا (29) :
جاء التّعبير عن الأمر بالقصد في الإنفاق وهو التوسّط والاعتدال، بالنّهي عن الطّرفين الذّميمين وهما الشّحّ والبخل في الإنفاق، ويقابلهما الإسراف والتّبذير.
أمّا الشّحّ والبخل فقد جاء التّعبير عنهما بكناية قبض اليد وضمّها بعنف إلى جهة العنق، حتى تكون كالمغلولة إلى العنق.
الغلّ: طوق من حديد أو جلد يجعل في عنق الأسير أو المجرم، أو في يديه، وقد تجمع يده إلى عنقه، وتطوّقان بالغلّ، وتعقد به سلسلة أو نحوها لجرّه وقوده.
ولمّا كان الشّحيح ويلحق به البخيل، من عادته حينما يطلب منه الإنفاق أن يقبض يده بسرعة وعنف، ومسير هذه الحركة الطّبيعي يكون