فهرس الكتاب

الصفحة 6395 من 8918

معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 9، ص: 604

ووصف اللّه المبذّرين بأنّهم أخوان الشّياطين، أي: مصاحبوهم والمتآثّرون بوساوسهم ونزغاتهم، والسّبب في هذا أنّ انعدام الرّشد في الإنفاق لديهم، يجعلهم عرضة للتأثّر بنزغ شيطانيّ يضغط على هوى طارئ لديهم، فيندفعون لتحقيقه مهما بذلوا من أموال فيه، إذ ليس لديهم ضابط إراديّ يتحكّم بأهوائهم، وتستخفّهم شياطين الإنس والجنّ، ويستدرجونهم من المباحات إلى المكروهات، فإلى المحرّمات الصّغرى، فإلى الكبائر الكبرى، ثمّ إلى الكفر والعياذ باللّه، وذلك بحسب غلبة سلطان الهوى والشهوات على كلّ فرد من أفرادهم.

فقول اللّه عزّ وجلّ: إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كانُوا إِخْوانَ الشَّياطِينِ وَكانَ الشَّيْطانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا (27) قد دلّ على هذا بنصّه وبلوازمه الفكريّة.

وفعل"كان"في هذا النّصّ يدلّ على الكينونة الدّائمة، أي: إنّ المبذّرين هم إخوان الشّياطين دواما، والشيطان كفور لربّه دواما.

وقد جاءت هذه الوصيّة الخامسة: (النّهي عن التّبذير) بمثابة بيان ملحق بالوصيّة الرّابعة (الأمر بإيتاء ذي القربى والمسكين وابن السبيل) ولهذا جاءت الآية (28) متمّمة للبيان الّذي جاء في الوصيّة الرّابعة، فقال اللّه عزّ وجلّ:

وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوها فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا (28) :

وَإِمَّا تُعْرِضَنَ: في التحليل النّحوي، مثل إِمَّا يَبْلُغَنَ الّتي سبق بيانها في الآية (23) .

فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا: أي: قولا حسنا سهلا عليك أن تقوله، فالقول الحسن سهل على كلّ ناطق أن يقوله، إذ لا كلفة فيه، ومن القول الميسور الوعد الجميل، والاعتذار المقبول.

الميسور: الشيء الميسّر السّهل اللّيّن المنقاد، وتقول: يسّرت له القول: أي: ليّنته له.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت