فهرس الكتاب

الصفحة 6403 من 8918

معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 9، ص: 612

لقد خلق اللّه النّاس في ظروف الحياة الدّنيا ليبلوهم أنّهم أحسن عملا، أي: ليكشف درجاتهم في حسن العمل، ويقابل هذا كشف دركاتهم في سوء العمل، وهذا الإبتلاء يستتبع في حكمة اللّه الحساب يوم الدّين، وفصل القضاء، ثمّ الجزاء بحسب الأحكام القضائيّة الّتي تصدر من اللّه عزّ وجلّ بشأن كلّ واحد منهم، على ما كشف ابتلاؤه في رحلة الحياة الدّنيا، ويعفو بحكمته عن كثير من سيّئاتهم.

ولهذا حرّم اللّه عزّ وجلّ على عباده قتل النّفوس بغير حقّ، لأنّ هذا يعارض حكمته في وضع النّفوس في الحياة الدّنيا موضع الامتحان، فالأصل في النّفس الإنسانيّة صيانتها من القتل ولو كانت كافرة بربّها.

وقتل النّفس بوسيلة من الوسائل الّتي جعلها اللّه عزّ وجلّ أسبابا لانفصال الرّوح عنها، إذ النّفوس هي الّتي تذوق الموت، والإنسان مكوّن من نفس، وجسد يحتوي على النّفس ذات الخصائص الّتي فطره اللّه عليها، وروح تمدّ النّفس والجسد بالحياة، كالآلة الكهربائيّة ذات الخصائص الّتي تعمل بمقتضاها، إذا دخلت في أسلاكها الخاصّة الطاقة الكهربائيّة أدّت أعمالها، وإذا انفصلت عنها الطاقة الكهربائية توقّفت عن العمل.

ولأجساد الأحياء نظام ربّانيّ خاصّ، فإذا أصيب ما جعله اللّه فيه مقتلا بإصابة قاتلة، انفصلت فيه الرّوح عن النّفس، فتذوق النّفس بهذا الانفصال الموت، ويصير الجسد ميّتا ليس فيه حياة تجمع كلّ أعضائه الرّئيسة الّتي يكون بها حيّا.

فمعنى قتل النّفس اتّخاذ وسيلة جعلها اللّه سببا لانفصال الرّوح عنها، أمّا الإماتة بانفصال الرّوح عن النّفس فلا تكون إلّا بخلق اللّه أو إذنه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت