فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 9، ص: 616
[إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ] أيّ إلّا اقتربا ومباشرة بالمكسوبة الّتي هي أحسن من عدم الاقتراب والمباشرة، على ما سبق بيانه.
[حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ] : أي: حتّى يبلغ اكتماله، أشدّ كلّ شيء اكتمال تناميه، بحسب صفاته القابلة للاكتمال.
وجاء بيان هذا الاكتمال بأنّه إيناس الرّشد في اليتيم، بقول اللّه عزّ وجل في سورة (النساء/ 4 مصحف/ 92 نزول) :
وَابْتَلُوا الْيَتامى حَتَّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ وَلا تَأْكُلُوها إِسْرافًا وَبِدارًا أَنْ يَكْبَرُوا ... (6) .
دلّت هذه الآية على أنّ بلوغ الحلم لا يكغي لتسليم اليتيم أمواله، بل لا بدّ من بلوغه الرّشد في تصرّفاته. ولمّا كان العدوان على مال اليتيم عدوانا على حقّ ضعيف لا يستطيع أن يدافع عن حقوقه، جعل اللّه عزّ وجل عقوبة من يأكل مال اليتيم ظلما كمن يأكل في بطنه نارا، فقال تبارك وتعالى في سورة (النساء/ 4 مصحف/ 92 نزول) : إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْمًا إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا (10) :
أي: وسيعاقب اللّه عزّ وجلّ نفوسهم بعد الموت في مدّة البرزخ بأن يذوقوا عذاب سعير، أي: عذاب مسّ لهب نار، دلّ على أنّه من أنواع عذاب القبر استعمال"السّين"من أدوات المستقبل، فالمستقبل البعيد الّذي يكون يوم الدّين تستعمل له في القرآن بوعد من الرّبّ كلمة"سوف"فيما ظهر لي.
الوصيّة الحادية عشرة: الأمر بالوفاء بالعهد، دلّ على هذه الوصيّة قول اللّه عزّ وجلّ: وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كانَ مَسْؤُلًا (34) :
العهد: كلّ ما بين العباد من مواثيق بلتزمون بالوفاء بها، على ما اتّفقوا عليه، وكلّ ما أمر اللّه به ونهى عنه، وأعلن المسلم بأنّه حقّ اللّه عليه، وبايع اللّه عليه بإعلانه إسلامه.