معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 1، ص: 665
الذي كان ينكره ولا يعبأ به في الدنيا، فيقال له: أَليس نعيم الآخرة في الجنّة حقّا؟ فيقول: بلى.
وجاء في سورة (الأعراف/ 7 مصحف/ 39 نزول) أنّ أصحاب النار ينادون أصحاب الجنّة أن أفيضوا علينا من الماء أو ممّا رزقكم اللّه، وأنّ أصحاب الجنّة يقولون لهم: إنّ اللّه حرّمهما على الكافرين الّذين اتّخذوا دينهم لهوا ولعبا، وغرّتهم الحياة الدّنيا.
ويلاحظ من عموم ما جاء في السورة، مع النظر إلى بعض التوجيهات النبويّة أنّ صفة التّلهي بالتكاثر من متاع الحياة الدنيا، تؤثّر في مداها الأقصى على سلوك الإنسان حتّى تفضي به إلى الكفر، وتؤثّر أيضا على سلوك المؤمن تأثيرا قد يصل به إلى ارتكاب المعاصي والموبقات هبوطا في دركاتها إلى ما قبل دركة الكفر.
فالتّلويم على صفة التّلهي بالتّكاثر، والتّحذير منها يتناول في السورة الكافرين أوّلا، لأنّهم هم المخاطبون بما جاء فيها، ثم يتناول أيضا بإيحاءات ظلال السّورة المؤمنين الذين قد يقع منهم وهم في دائرة الإيمان والإسلام، نظير ما يقع من الكافرين وهم في حضيض أودية الكفر.
فقد نجد مؤمنين مسلمين كثيرين يلهيهم التّكاثر من متاع الحياة الدنيا، فينسيهم كثيرا من واجباتهم تجاه ربّهم، ويجعلهم يقعون في الغفلات، ويرتكبون المعاصي والآثام حتّى دركات الكبائر، لكنّهم قد لا يصلون إلى حضيض الكفر، ومن وصل منهم إلى الكفر صار من زمرة الّذين يتناولهم ما جاء في السّورة تناولا أوّليّا.
ونظير صفة الالتهاء بالتّكاثر من متاع الحياة الدنيا، سائر الصّفات النفسيّة والسّلوكيّة الّتي كانت السّبب في إسقاط الكافرين في مهاوي الكفر، فقد تسقط هذه الصّفات نفسها المؤمنين المسلمين في مهاوي المعاصي والآثام حتّى الكبائر من دون دركة الكفر.