معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 9، ص: 671
أي: وضع في ذاكرتك أيّها المتلقّي أيّا كنت، هذه القضايا الّتي نحدّثك بها، من الأحداث الّتي جرت وقت قولنا للملائكة اسجدوا لآدم، بعد أن قالوا: ... أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ... (30) [البقرة] وبعد أن أجرينا بين آدم وبين الملائكة مباراة العلم، فسجدوا كلّهم جميعا إلّا إبليس، فقد كان من الجنّ ولم يكن من الملائكة، ففسق خارجا عن أمر ربّه، إذ أمره بالسجود مع الملائكة.
قول اللّه عزّ وجلّ حكاية لمعنى ما قاله إبليس في بعض مواقفه:
قالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا (61) : استفهام استنكاريّ فيه معنى الكبر العنصريّ، افتخارا بالنّار الّتي خلق منها، واحتقارا للطّين الّذي خلق منه آدم.
أي: لا يليق بي وأنا المخلوق من نار أن أسجد للّذي خلقته أوّل ما خلقته طينا من تراب وماء، ولمّا سوّيته نفخت فيه الرّوح وجعلته كائنا حيّا، وأردت أن تفضّله علينا، فأمرتنا بالسّجود له، إنّني لا أسجد له مع السّاجدين له من ملائكتك.
ويظهر لي- كما سبق بيانه في التدبّر التكامليّ- أنّ إبليس قال هذا الكلام في نفسه، موجّها خطابه لربّه حين أبى أن يسجد لآدم.
قول اللّه عزّ وجلّ حكاية لمعنى ما قاله إبليس بعد جلسات محاكمته في حوار جرى بينه وبين ربّه، كما ظهر لي في التدبّر التكامليّ.
قالَ أَرَأَيْتَكَ هذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا (62) :
خاطب إبليس اللّعين ربّه معترضا عليه بوقاحة قائلا له: