معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 9، ص: 682
المخاوف والضّرورات الشديدات، فإذا كشف عنهم الضّرّ مستجيبا لأدعيتهم أعرضوا، والسّبب في ذلك أنّ الإنسان كفور بنعم اللّه عليه، مع أنّ اللّه جلّ جلاله قد كرّمه.
وفيه معالجة للنّاس تجاه هذه الصّفة الذّميمة فيهم، الناتجة عن اختيارهم الحرّ، ليتهرّبوا من تأدية واجب الشكر.
التدبّر التحليليّ:
قول اللّه عزّ وجلّ خطابا للناس جميعا:
رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ كانَ بِكُمْ رَحِيمًا (66) :
يُزْجِي: أي: يسوق، أو يدفع، برفق ويسر واستقامة. يقال لغة:
"زجا فلان الشيء يزجوه، زجوا، وزجوّا، وزجاء. وأزجاه يزجيه": أي:
ساقه برفق، ودفعه.
الْفُلْكَ: مركب البحر، يطلق على الواحد وغيره، ويذكّر ويؤنّث، فيقال: هو الفلك، وهي الفلك.
لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ: أي: لتطلبوا أرزاقكم وغيرها ممّا تحتاجون إليه من دنياكم، من فضل ربّكم الّذي يتفضّل به عليكم أيّها النّاس، إذ كلّ ما تنالونه بكسبكم، ممّا تجدون فيه خيرا لكم في دنياكم وآخرتكم، هو من فضل اللّه عليكم.
إِنَّهُ كانَ بِكُمْ رَحِيمًا: أي: إنّه رحيم بكم دواما، وتفضّله عليكم هو من آثار رحمته، والجملة تتضمّن معنى التعليل لما يتفضل اللّه به على عباده.
فعل"كان"هنا يدلّ على الكينونة الدائمة، وهو بمثابة فعل مؤكّد للإسناد في الجملة.