معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 1، ص: 671
خير من كلّ باق حميد جليل يناله السّاعون للآخرة وما فيها من نعيم مقيم بعد رحلة الحياة الدنيا، رحلة الابتلاء.
وإذا ربطنا فكرة سورة (التكاثر/ 102 مصحف/ 16 نزول) بفكرة سورة (العصر/ 103 مصحف/ 13 نزول) السابقة في النزول، والتي أبان اللّه عزّ وجلّ فيها أنّ واقع حال الإنسان في خسر دائم، لأنّه يضيّع وقته الذي هو رأس ماله مع طاقته في الحياة الدنيا، فيما لا خير له فيه، باستثناء الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحقّ وتواصوا بالصّبر، وضح لنا أنّ سورة (التكاثر) تبيّن دافع رغبة الإنسان في التكاثر من فانيات الحياة الدّنيا، الّذي هو أحد أسباب انغماس الإنسان في واقع الخسر الدائم مع لحظات عمره، الذي جاء بيانه في سورة (العصر) .
ثمّ إذا تأمّلنا ما جاء في سورة (العاديات/ 100 مصحف/ 14 نزول) التي نزلت بعد سورة (العصر) وقبل سورة (التكاثر) وجدنا أنّها قد تحدّثت عن حبّ الإنسان الشديد للمال، في قول اللّه عزّ وجلّ فيها:
إِنَّ الْإِنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ (6) وَإِنَّهُ عَلى ذلِكَ لَشَهِيدٌ (7) وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ (8) :
لحبّ الخير: أي: لحبّ المال، إذ يرى الناس المال خيرا.
ومن هذه السّور الثلاث نستخلص أنّ دافع حبّ المال حبّا شديدا، مع رغبة التكاثر منه ومن الأولاد وسائر زينة الحياة الدنيا، ومع توجيه الجهد والطّاقة خلال مرور ساعات العمر، للجمع من الدنيويّات الفانيات، من أعظم أسباب وقوع الإنسان في الخسر، ما تتابع عليه مرور العصر، الذي هو الزمن السّيّال، وعمر الإنسان مقطع سيّال منه.
وهكذا يتكامل بناء الأفكار المعرفيّة في القرآن، مع مراحل التنزيل، لبنة فلبنة، وضمن هذا المنهج التدرّجيّ تتكامل الموضوعات القرآنيّة جامعة كلّ عناصرها.