معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 1، ص: 670
درهما، فقال: لمن هذا الدرهم؟. فقال الرجل: لي. فقال له الأحنف بن قيس: إنّما هو لك إذا أنفقته في أجر، أو ابتغاء شكر، وأنشد متمثلا قول الشاعر:
أنت للمال إذا أمسكته ... فإذا أنفقته فالمال لك
إنّ طلّاب الدنيا يظلّون لاهين عن الخير الجليل العظيم الباقي، بما يكدحون في الحياة ابتغاء التكاثر، وحين تسعفهم المقادير الرّبّانيّة يكرعون مستكثرين دون أن يرتووا، كالظامئ الّذي يكرع من ماء ملح أجاج، وكالمريض الذي يشرب ولا يرتوي، ويأكل ولا يشبع، ويضاعفون كدّهم مستكثرين، رجاء أن يصلوا إلى الارتواء ممّا يستكثرون من أشياء، فلا يصلون، وتأتيهم مناياهم، فيأخذهم الموت من أشيائهم الّتي استكثروا منها، دون أن تكون سبب سعادتهم في الحياة الدنيا، ثمّ يجدون أنفسهم محرومين في الآخرة من الزّاد الذي كان عليهم أن يتزوّدوا منه، ويجدون أنفسهم محمّلين بأثقال من الأوزار الّتي جنوها طمعا في التكاثر.
إنّهم يزورون مقابرهم وقد تلهّوا في حياتهم عمّا ينفعهم فيها، بجلب نعيم أو دفع عذاب، ثمّ تنتهي زيارتهم للقبور بالبعث إلى يوم الحساب والجزاء يوم الدين، الذي لا ينفع فيه مال ولا بنون، إنّما ينفع فيه العمل الصالح ومن أتى اللّه بقلب سليم، ويومئذ يرون أنّهم قد ضيّعوا أعمارهم في اللّهو، إن لم يكونوا قد ضيّعوها في الاشتغال بحمل الأوزار، وسلوك مسالك الفجّار.
أليست هذه الحقيقة حول أعمار الناس في الحياة الدنيا، التي ينفقونها في التلهّي بالتكاثر، جديرة بأن ينزل اللّه عزّ وجلّ في بيانها سورة (التكاثر) ليبيّن فيها دافع الرغبة في التكاثر الذي يخسر به الإنسان أوقات عمره المحدود، في اشتغاله بأشياء لا خير له منها، فيلهيه اشتغاله بها عمّا هو له