فهرس الكتاب

الصفحة 646 من 8918

معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 1، ص: 669

فالعمل ابتغاء التكاثر من زينة الحياة الدّنيا، دون حاجة الحياة إلى الزائد، هو لهو بما لا خير فيه للمتكاثر، ولا نفع له منه، وانصراف عمّا هو له خير وأعظم وأجلّ في آجل أمره، وقد يكون لهوا أيضا عمّا هو خير له في عاجل أمره، كصلاح البال، وطمأنينة القلب، وراحة الضمير، ورضا النفس، والاستمتاع بما أعطاه اللّه ويسّر له من متع الحياة الدّنيا، مع القناعة بأنّه الخير له والأفضل، إذ هو المختار له بقضاء اللّه وقدره.

فكم من كادّ كادح مستكثر من جمع الأموال، واقتناء تحف الدّنيا، محروم من الاستمتاع بما يجمع في حياته، ومحروم من حظّ الآخرة عند اللّه في جنّات النعيم، ومضيّع عمره في التّلهّي بما لا خير له منه، هذا إذا استطاع في جمعه واقتنائه واستكثاره أن يسلم ممّا يحمل به إثما، أو يجني به جرما، أو يغرم به غرما، أو يظلم به ظلما، أو يعذّب به نفسه همّا وغمّا.

وكذلك الكادّون الكادحون للظفر بجاه أو سلطان في الأرض، والكادّون الكادحون لبناء القصور والجنّات، أو جمع القناطير المقنطرة من الذهب والفضّة، أو اغتنام الكثير من اللّذّات، إنّهم ينفقون أعمارهم في التّلهّي بالتكاثر عمّا هو لهم خير وأفضل، ممّا يحقّق لهم السعادة والهناء، في الدنيا دار الابتلاء، وفي الآخرة دار الجزاء، دون أن يحصلوا من العاجل الأدنى على ما يسعدهم، ويورثهم الراحة والطمأنينة.

كثير من الناس يكدحون لامتلاك أموال كثيرة لا يحتاجونها في حياتهم، فلا ينفقونها فيما هو متاع لهم، وتحقيق لمنافع ولذّات، وحريّ بهؤلاء أن يكونوا هم المملوكين لأموالهم، يثمّرونها ويحفظونها، لا المالكين لها، لأنّها ستصير إلى غيرهم. وهذا المعنى نجده فيما ذكر الحافظ ابن عساكر في ترجمة الأحنف بن قيس، أنّه رأى في يد رجل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت